جديد الموقع

Search
||

الحضرة الموسوية : ختام المجالس

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس الشيخ المربي العارف بالله الكامل سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه

مجلس الجمعة : 20 محرم 1436هـ الموافق ل 14 نونبر 2014م

الحضرة الموسوية : ختام المجالس

 

أي أحبابي لقد وصلنا إلى ختام المجالس فيما يخص هذه الحضرة بحكم القراءة الهائية بكنه الدخول على مساس الألف مع العلم أننا عندما نقول حضرة نقولها تجاوزا لأننا إذا قلنا الحضرة الموسوية فينبغي أن نذكر ونكشف على كل ما تحتويه من معارف وعلوم و أحوال فلا تكتمل الحضرة حتى يتم قراءتها شهودا بجميع مراتب الإسم وهذا يعم كل حضرات الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام

أي أحبابي إننا سنتوقف عن الكلام عن هذه الحضرة التي تركت فينا شوقا ومحبة فلا ينساها إلا شقي…فهذا هو الدرس الأخير فيها فكأنما سنفارقها ولكن ستبقى معنا…ستبقى معنا بما تنزل في قلوبكم من معانيها وبما ستتركه فيكم من ذوق وفهم فالحضرة الموسوية حضرة مساس الألف الذي من دخل عليه فترقيه أبدا لا نهاية له…وهي حضرة الفصل والوصل وحضرة الحب والرحمة وحضرة ظهور الأضداد وحضرة التصريف وحضرة موسى في حجر فرعون وهي حضرة الإلقاء و التلقي و حضرة أسرار الكلمة لذلك يصعب على المرء مفارقتها خاصة الذين ذاقوا من نسمات الألف فيها

 

أي أحبابي إن إنكشاف الحق تعالى وظهوره لسيدنا موسى عليه السلام في أية النار حيث يقول سبحانه وتعالى : ( إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ) طه الاية 10…فلا يذوق المعاني إلا من تلاشت عنده المباني وكل من رزقه الله عزوجل تجلي الحيرة وخلع عليه خلعة المحبة والعشق إلا تجده هائما في الحق من خلال شهوده لتسابيح الخلق لله عز وجل اما غليظ الطبع وكثيف الوهم وعديم الذوق فلا يقف إلا مع ظاهر الأشياء فلا يراها إلا جامدة لا حراك لها ولا كلام وينسى أنها أيات من الحق للخلق حتى نعرفه فيها فالعارف الهائم يتكلم مع الأشياء تكلم العاشقين لشهوده لسر القيومية فيها إذ لولا الحق ما كان للخلق وجود ولقد قال شيخ مشايخنا سيدي أحمد العلوي رضي الله عنه : ( ما من ذرة في الوجود إلا وعليها إسم من أسماء المعبود ) ومن هذا السر قال المحققون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله ، وقيل : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله معه ، وقيل : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله بعده 

والعارف وهو يعيش بين المكونات لا يخفى عليه تذوق سريان الحب الساري فيها وحتى نقرب المعنى للأذهان نذكر مثالا بسيطا تلك المحبة التي تكون بين الرجل وزوجته ما مصدرها ؟ أليست من الحق تعالى وحبك لاهلك و أبنائك وعشقك للاكل أوللشراب لتغالب العطش…كل هذا إن ذقت اللطائف الكامنة وراء هذه الصور عندئذ ستكون لك حيرة في حب الحق تعالى حتى تفهم تجلياته وتسمع صيحة الموجودات وهي تصيح لا إله إلا الله عكس من كان سفليا يفعل ما ذكرنا فقط لإشباع غريزته الحيوانية…فمن تذوق تسابيح الكون للحق فهم رسالة الحق عز وجل و إنقلبت أحواله من الغفلة إلى الحضور ومن الظلمة إلى النور…ألا ترى أن الكليم عليه السلام تجلى له الحق عزوجل في صورة النار فلا يستطيع أحد أن ينكر هذه الأية القرأنية ( أية النار) وقد قيل : في ذكر قصته عليه السلام أنه كان رجلا غيورا فكان يصحب الرفقة بالليل ويفارقهم بالنهار ، لئلا ترى امرأته ، فأخطأ مرة الطريق في ليلة مظلمة شاتية ، لما أراد الله عز وجل من كرامته ، فجعل يقدح الزند فلا يوري ، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور ، ( فقال لأهله امكثوا ) أقيموا ،وفي القصص ، ( إني آنست ) أي : أبصرت ، ( نارا لعلي آتيكم منها بقبس ) شعلة من نار ، والقبس : قطعة من النار تأخذها في طرف عمود من معظم النار ، ( أو أجد على النار هدى ) أي : أجد عند النار من يدلني على الطريق …فجاء سيدنا موسى عليه السلام بكل شوق وحب في تحصيل مرغوبه قال تعالى : ( فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) ) طه

فلما إقترب من النار خاطبه الحق منها فيكف يخاطب من ليس كمثله شيئ الشيئ إلا بتسابيح الشيئ ولما كانت رغبته مجتمعة في الحصول على النار تجلى له الحق فيها فلو تجلى له الحق في غير مطلوبه لما إلتفت إليه ولقد ورد في التفاسير أن سيدنا موسى عليه السلام أخذ شيئا من الحشيش اليابس وقصد الشجرة وكان كلما دنا نأت منه النار ، وإذا نأى دنت ، فوقف متحيرا ، وسمع تسبيح الملائكة ، وألقيت عليه السكينة…فلو كانت همته غير مجتمعة فيها لما كان يدنوا منها في حين إدبارها وتدنوا منه في حين رجوعه فقد كانت تطلبه كما يطلبها…فلما تنزلت عليه السكينة وسمع النداء علم أن الغفار تنزل له في صورة النار فوقع له الأنس عندما شاهد حضرة القدس ولقد جاء في الحديث الشريف عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  حجابه النار ، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه

 

و إذا أردنا أن ننزل هذا المعنى ونصبغه على أحكام الطريق الموصلة إلى مراتب التحقيق فنقول أن السالك حينما يبايع الشيخ الرباني ويشرق على قلبه شمس التجلي من بساط إسمه تعالى النورحتى تجتمع همتك فيه وتقبل على الله بكليتك فمن أقبل على الله بكليته تجلى عليه بقربه…وتأمل في الحكمة الموسوية فقد خاطبه في صورة النور التي قد يخاف منها إن زادت و إشتدت تجلى له في أية النار فقال له أنا ربك…فلماذا لم يشك عليه السلام في الخطاب وظن أنه من الشيطان ؟ أو هو خادم سفلي ؟ وحاشاه عليه السلام من الشك ولقد نبتهك إلى هذا حتى تعلم سر قوله تعالى في كليمه : ( واصطنعتك لنفسي ) طه الاية 41…لذلك إستقبل التجلي الإلهي في صورة النار فمن رآه في الظاهر رآه مقبلا على النار ومن رآه بباطنه رآه مقبلا على الله…فلذلك نقول أنه من علامة السعادة لسالك طريق المعرفة أن يستقبل وارد النور بالتعظيم ولا يترك للشك مجالا أن يتسرب إلى خاطره لأن الحق يغار إذا شككت في النور يوشك أن يذهب منك والنور كذلك من الحجب فلقد ورد في الحديث الذي رواه مسلم عنه صلى الله عليه وسلم : ( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )…فكن أيها الطالب للمعالي على قدم سيدنا موسى عليه السلام تفهم عن الحق في كل تجلياته…ولا تقل ذاك نبي ومن أولي العزم من الرسل عليهم السلام فمن أين لي ان أكون مثله ؟ فينبغي ان تعلم أن الأنبياء أرسلهم الحق لخلقه من أجل الإقتداء بهم والسير على نهجهم فتقتدي بهم في احوالهم كما تقتدي بهم في أقوالهم و أفعالهم…تتبع أحكام ظاهرهم وتشرب من بحار بواطنهم أما ان تتوهم المماثلة في المرتبة فهيهات هيهات وهذا مستحيل فاعرف قدرك ولا تتعدى طورك فإنما الثرى لا يطاول الثريا

أما الذي ينكر نور الحق رغم أنه تجلى له برحمانيته فليعلم أنه ليس هو الذي أعرض عن الحق ولكن الحق هو الذي أعرض عنه وكفى بهذه عبرة لمن أراد أن يعتبر…فإذا رأيت العبد همه دائما ذكر الله تعالى وحضور مجالسه فأعلم أن الحق أراد له الخير وفي الحديث الشريف عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل راكب حتى أناخ فقال: يا رسول! إني اتيتك من مسيرة تسع، أنضيت (1) راحلتي وأسهرت ليلي وأظمأت نهاري لأسألك عن خصلتين أسهرتاني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما اسمك؟ قال: أنا زيد الخيل، قال له

بل أنت زيد الخير؟ فاسأل! فرب معظلة قد سئل عنها، قال

أسألك عن علامة الله فيمن يريده وعلامته فيمن لا يريده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحب الخير وأهله ومن يعمل به، وإن عملت به أيقنت بثوابه، وإن فاتني منه شئ حننت إليه، فقال له صلى الله عليه وسلم: هذه علامة الله فيمن يريده وعلامته فيمن لا يريد، ولو أرادك بالأخرى هيأك لها ثم لا يبالي في أي واد هلكت 

لذلك أيها السالك لا تغفل عن شهود المنة مع التحقق بفقرك و إحرص على الخير تكن من أهله و إجتنب الشر تكن من السالمين

وإذا وردت عليك المواهب فإشهد فيها الواهب

و ألقي سمعك وأنت شهيد

فإن ألسنة القدرة تنادي عليك: هذا عطاؤنا فلا تشهد معي أحدا

و ألسنة الحكمة تنادي عليك: هذا عطاؤنا فاخضع لنا أبدا

فبانكشاف سر القدرة لديك تجتمع همتك عليه و تتلاشى الغيرية في مشهدك

وبلطافة أنوارالحكمة المحمدية تسير إليه

فقف على بابه بالإفتقار

و أدخل عليه بالإعتذار

و أسجد لسره بشهود فقدك

تكن به باقيا وللربوبيته عابدا و لعطائه شاكرا

ولنعد إلى ما كنا بصدده بشأن سيدنا موسى عليه السلام وذلك أنه عندما إلتجأ إلى جبل الطور يريد نظرة في المحبوب فجعل الله تعالى الجبل دكا وصعق الكليم عليه السلام…وجبل الطور في مكانه وموسى عليه السلام في مكانه والله تعالى منزه عن زمان ومكان و إنما هي تجليات جعلها الله تعالى في كشف لعباده ليقربهم إليه بنورانيته…والحق سبحانه وتعالى يتجلى للسالك فتجلى للمجذوب بانجذاب كلي وللسالك بالسلوك ومن تجلى له بالجذب هاجر الأهل والأحباب ومن تجلى له بالعشق قام الليل وهام في الأسحار…فاختلفت المقامات بسبب إختلاف التجليات…فهو المتجلي في صورة النار من غير حلول ولا أتحاد فالله تعالى ليس كمثله شيء هو خالق النار فكيف يتقيد في النار بل كل ماتراه العيون فهو فان ويبقى سبحانه هو الأول والأخر والظاهر والباطن…فهذا الوجود عدم والحق له الوجود الكامل ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) الرحمن الاية 26و27…وتجليات الحق لو انقطعت لما صح لنا عيش ولعدنا إلى العدم…و إذا أيقظ سمعك من أجل سماع أية الحق فيكون المتلكم واحد والمستمعون كثير وهناك تعرف أن سعة القلب هي التي تفهم الأية كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفهمون الحديث على سبعين حدا فيصدقهم صلى الله عليه وسلم كلهم ولقد جاء في الأثر : ( أصحابي كالنجـــوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) فالمصطفى صلى الله عليه وسلم خلع عليهم حلته فأصبحوا نجوم هداية كما أنك إذا صعدت إلى النجوم وجدتهم صغرة ظلماء وفي الليل تعطيهم الشمس حلتها فيضيؤون بها 

 

والتجليات الأسمائية في الدنيا ليست كتجليات الاخرة فقد قال صلى الله عليه وسلم 

قال الله تعالى : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر )…لذلك نقول أسماؤه تعالى لا تعد ولا تحصى وجاء الشرع الشريف و أظهر بعضها حتى يتخلق العبد بها فيتخلق باسم الكيرم مثلا حتى يكون كريما وهكذا…والدليل على كثرة الأسماء الحسنى و أن منها ظاهر وباطن قوله صلى الله عليه وسلم :  ما أصاب عبداً هم ولا حزن , فقال اللهم إني عبدك، ابن عبدك , ابن أمتك, ناصيتي بيدك , ماض فيّ حكمك , عدل فيّ قضاؤك , أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك, أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك , أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي , ونور صدري , وجلاء حزني , وذهاب همّي وغمّي , إلا أذهب الله همّه وغمّه , وأبدله مكانه فرحا، قالوا يا رسول الله أفلا نتعلّمهن ؟ قال: بلى , ينبغي لمن سمعهن أن يتعلّمهن

فالتجليات تختلف والمتجلي بها واحد لا يختلف ولا يتحول فانت ترى الأرض كيف عاش عليها الدينصور والجن والناس اليوم لو رجعت للماضي ستجد الكثير من الصور مختلفة فترى الخيام والكهوف والاهرامات ووو…واليوم ترى فوق الأرض الطائرات وناطحات السحاب والأرض هي نفس الأرض وفي الحقيقة ليس هناك أهرامات ولا ناطحات سحاب فكل من عليها فان وهالك…و إذا أردت تذوق ذلك فعليك أن تتحرر من تقييد الزمان والمكان حتى تفهم كلام الحق تعالى…و إذا وضعك الحق تعالى في الأمرالواقع فررت وهربت ولكن إلى أين الهروب ؟ فليس هناك إختلاف إلا في الصور اختلاف الشرائع والعين واحدة…فكأنك وضعت فص في خاتم فصار هذا الفص ينتقل من مكان إلى مكان مثل دورة كرة الأرض حول الشمس فكل دورة تختلف عن الدورة الاخرى فسنة 2014 ليست هي سنة 2013 وهكذا تختلف عليك التجليات و الشرائع ويبقى من لا يختلف باقي كما هو ليس كمثله شيء أما أنت يا إنسان كنت لا تعمل فصرت تعمل وكنت عازبا وتزوجت وكنت شابا وهرمت وكم من مؤمن صار كافرا وكم من كافر صار مؤمنا…فاجمع همك لعشق ليلى فهي ليلة واحدة في العمر فمن عشقته ليلى كشفت له عن خمارها فما يكون همه إلا رؤية ليلى ومناجاتها وانظر لأولئك الذين تركوا في الكون بصمة من أهل الله تركوها بحبهم لليلى…كانت لهم ساعة في الليل لمناجات الله تعالى ففي تلك الساعة تصنع المحبة والعشق وتكسب الفهم والذوق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *