جديد الموقع

Search
||

الحضرة الموسوية : علم الألف الجزء 5

بسم الله الرحمن الرحيم

مجلس الشيخ المربي العارف بالله تعالى سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه

مجلس الجمعة :16 ذو الحجة 1435هـ الموافق ل 10 أكتوبر 2014م

الحضرة الموسوية : علم الألف الجزء 5

إعلم مسح الله على قلبك بمسحة نورانية أن فرعون كان ذو علم لذلك عندما سأل سيدنا موسى عليه السلام كان يريد تعجيزه حيث سأله عن ماهية الحق التي لا يُمكن التعبيرعنها بعبارة ولا تصل إليها إشارة لأنها سؤال عن حقيقة الذات بقوله (و ما رب العالمين )الشعراء الأية 23

لكن الحكمة الموسوية إقتضت أن تجيبه بما لا يستيطع إنكاره فرعون ولا غيره فأجابه بما يعرف وما ذلك إلا بإشارته إلى الربوبية المضافة لأن مرتبة الربوبية تقبل الزيادة فأتى من ناحية الأفق العلوي ” السموات ” و الأفق السفلي ” الأرض ” ذكر له الربوبية المضافة إلى نهاية العلو ونهاية الأسفل دله على المظاهر لعله يعرف فيها الظاهر ف( قال رب السموات والأرض ) الشعراء الاية 24…فكان فرعون يعلم ما يقول فأراد أن يظهر أمام قومه أن حجته هي الغالبة ونسي أن لله الحجة البالغة ثم إن فرعون كان يعلم أن سيدنا موسى عليه السلام لن يجيبه عن حقيقة الذات و إنما سيجيبه بمظاهر الأسماء والصفات إذ الذات لا تُعرف إلا بمجموع الأسماء والصفات …فكان في جوابه إشارات تزج بكل من في قلبه نور إلى توحيد الذات لذلك قال له السيد الكريم عليه السلام على وجه الملاطفة : ( إن كنتم موقنين ) الشعراء الأية 24

 

الإيقان ثمرة من ثمرات الكشف الإلهي أي إن كان لكم كشف فستبصرون بصريح الإيمان وحقائق الإيقان حقيقة فَقْدِ الأعيان…لكن فرعون بعلمه بما هنالك كان صورة من صور الضلال وكان علمه زندقة لعدم إنقياده و إتباعه لنبي زمانه عليه السلام…فلما خشي أن يكون قومه قد فهموا الجواب إستدرك مسرعا ف ( قال لمن حوله ألا تستمعون )الشعراء الاية 25… وكأنه يستهزء بالكليم عليه السلام وبعدما ذكر له عليه السلام الربوبية المضافة إلى الأفاق ذكر له الربوبية المضافة إلى النفس فقال : ( قال ربكم ورب أبائكم الأولين ) الشعراء الأية 26

 

 

فالمرء قد يغفل عن محيطه لكنه قطعا لن يغفل عن نفسه وذاته فكأنه يقول له بأن هذا التجلي الأسمائي المشهود في المظاهر هو أيضا حاصل لكم إذ لولاه ماكان لكم ظهور ولما خرجتم من العدم إلى الإمكان…فقال فرعون يخاطب قومه : ( قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) الشعراء الأية 27…يريد بذلك أن يستر الحقائق خوفا منها أن تظهر للخلائق فيخرجوا من شرك الوهم إلى نور الفهم…فزاد له موسى الكليم عليه السلام : ( قال رب المشرق والمغرب وما بينهما ) الشعراء الأية 28…فالشمس تطلع من المشرق وتغرب من المغرب ولولا الشمس لبقي الكل في الظلام…ووجه الإشارة كأنه يقول لولا شمس الذات لما ظهرت أثر الأسماء والصفات والكل منطوي فيها وباطن حتى تظهر شمس الأحدية ولولا تلك الشمس لبقي الكل في ظلمة العدم…ولقد قلت في قصيدة لي فيما مضى حول هذا المعنى

 

أشرقت شمسي من فؤادي                     

حتى ظهرت خفايا كوني

ثم قال عليه السلام لفرعون وقومه : ( إن كنتم تعقلون ) الشعراء الأية 28…فتغيرت لغة الخطاب بعدما كانت موجهة إلى حضرة القلب بكنه الكشف المثمر للإيقان أصبحت موجهة إلى حضرة العقل بمعنى إن كنتم أصحاب تقييد عقلي لا أصحاب إطلاق جناني…لذلك ناسب أن يذكر لهم في حضرة القلب السموات والأرض لأنها حضرة إطلاق ولكن في حضرة العقل قيدهم في المشرق والمغرب لانها حضرة تقييد…و التقييد والإطلاق تابعان للتشبيه والنتزيه فلا تنفك إحداهما عن الأخر…لذلك السالك في طريقتنا قبل أن تشرق عليه شمس توحيد الذات يجمع السموات السبع و الأرضين السبع والكرسي و العرش في لمحة حتى يفنى عن نفسه وعن غيره فيحصل بعدها على السر الذي به يفتح معاني التوحيد التي كانت مغلقة عن حضرة العقل…ففي ذكر المريد يشهد النور الأصلي الذاتي فإذا عقلت هذه الحقيقة النورانية فتوكل على الله حتى تعرفه في التقييد والإطلاق

 

 

وهذا الحوار الذي دار بين الكليم عليه السلام وفروعن أظهر زندقة فرعون لأنه كان يعرف من هو سيدنا موسى عليه السلام بحكم تربيته له وكذلك السيد الكليم عليه السلام كان يعرفه المعرفة التامة…ففهم فرعون علوم موسى عليه السلام بمحور الزندقة لا بالإتباع…لذلك لما بين له عليه السلام أن سر القيومية لا يخرج عنه مخلوق ثارت ثائرته وأراد أن يكون له مركز الدائرة الهائية قال لموسى عليه السلام بكل إستكبار وعناد كما حكى الحق على لسانه : ( قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) الشعراء الاية 29…فكأنه يقول له من بساط الأنا المزيفة فحتى أنا على علم مما أنت له به علم فالصور مني ومنك هي عين واحدة فتكثرت كما الواحد في مراتب الأعداد… واعلم أن التحكم والسيطرة لي عليك لذلك هدده بالسجن حتى لا تظهر الحقيقة…ففرعون كان يعلم توحيد الجمع بعلم اليقين ولكن ادعاها لنفسه ولم يستسلم لرسالة موسى عليه السلام وبقي تابعا لزندقة عقله…فالعلم وحده دون إيمان لا ينفع و العلم الصحيح المبني على الذوق الصريح يؤدي إلى حقيقة الإيمان…لذلك ترى معظم الفراعنة أصحاب علم وخاصة علم الفلك حيث كان لهم إهتماما به لكن رغم ذلك كفر العديد منهم

 

 

أما فرعون موسى عليه السلام فكان يعرف العين الجمعية فقال له موسى عليه السلام بلسان الشح والتبيان يا فرعون لا تستطيع حجبي عن العين الجمعية بمحاولتك سجني لأن موسى شرب من جمع الجمع شرب من معين مقام الصدقين…من الشجرة المباركة لذلك المريد عليه ان لا ينسى الشجرة المباركة حتى لا يهلك ويكون علمه زندقة وبعدا ألا ترى إلى أكبر الزنادقة وهو الدجال لن ينفعه علمه لأنه سيتنكر للشجرة الرسالة والولاية رغم علمه بها

ففرعون كان يعرف ويعلم وحدانية الله تعالى فعندما كان يقع في الإختبار والشدة كان يرجع إليها كما حدث له عندما دعا الله تعالى أن يجري له النيل فأجراه له فتغيرت العادة وكذلك الدجال سيغير العادة

فتتبعه كنوز الأرض ويظهر للناس الجنة والنار وينزل لهم الأمطار لكن هذه كلها عبر وحكم حتى يبقى المرء متعلقا ببيعة المصطفى صلى الله عليه وسلم أصل الشجرة وروح فرعها….فالمقطوع من إنقطع عن الإستمداد من معين المصطفى صلى الله عليه وسلم ولو ظهرت عليه ألف كرامة

ولقد كان فرعون له سطوة بين أقرانه وكان ذو علم وفطانة وذكاء لكن جحوده جعله زنديقا…ولكن لا نقول أن يصير له الحكم على نبي أو رسول كما ظن هو بجهله

فقد تعدى فرعون على مقام موسى عليه السلام لذلك أراد الكليم أن يجعله ضعيفا أمام قومه بأن يظهر له برهانا ظاهر قاطع وواضح قال تعالى على لسان سيدنا موسى عليه السلام : ( قال أولو جئتك بشيءٍ مبينٍ ) الشعراء: 30…فقال له فرعون بإستكبار : ( قال فأت به إن كنت من الصادقين ) الشعراء 31…فلو قال فرعون لموسى عليه السلام لا تأت به لبين خوفه وظهر ما في باطنه للناس من الإعتراف بتصديق الكليم في رسالته…قال تعالى : ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ) الزخرف 54…إستخفهم لقلة فهمهم عن الله ولقهره لهم فأطاعوه لفسقهم وخروجهم عن طاعة الله تعالى 

وكل ذلك الحجاب الذي حصل لهم بإعتمادهم على عقولهم فمن إعتمد على عقله في معرفة ربه فقد إعتمد على مخلوق مثله والمخلوق عاجز عن إدارك الخالق سبحانه وتعالى…لو أنهم إتبعوا الروح الأمرية و العقل الأكبر لحصل لهم كشف ذوقي ويقين عيني من أهل التحقيق

هكذا : فلما قبل فرعون ماعرضه عليه موسى عليه السلام في شأن الإتيان بشيئ مبين ( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) الشعراء الاية 32…ألقى عصا النفس التي عصى بها فرعون فتجلت ثعبان مبين في حكم الصورة الأمرية ببيان نفس فرعون عاصية لبيان الربوبية فظهرت في صورة ثعبان

والثعبان واضح معلوم فأتاهم بشيء يعرفونه فإنقلبت المعصية إلى عصا فلو أطاع فرعون موسى عليه السلام لغفرت ذنوبه

هذه العصا التي هي إشارة إلى ألف مقدر ويحملها ألف مقدر الذي هو موسى عليه السلام فظهر الحكم الإلهي في العصا وهو ما هيتها الأصلية في كونها عصى فمرة تظهر ثعبان ومرة تظهر عصا…فكانه يخبر فرعون انه هو عليه السلام صاحب المركز و الأسرار وليس فرعون فالتهمت العصا باقي العصي الاخرى التي كانت حيات…فلم يبقى أثر لعصيهم ولا لحياتهم وبقيت عصا موسى عليه السلام كما هي وعلى وصفها الأول لم تتغير في سمكها فانتصر نبي الله موسى عليه السلام وظهرت حجته فأدرك السحرة مرتبة الكليم فأمنوا به وبما جاء به فصاروا في رفعة وشرف

اما فرعون فقد إستخلفه تعالى في الظاهر فتجلى عليه بالضار فكان ضارا جبارا عنيدا يستعبد قومه رغم كونه عالما وهذا كله من أجل فهم الألف المقدر…فإذا ألقيت العصا ( الألف المقدر ) على إمرئ وظهرت عليه سيئاته كان جبارا ضارا وإذا ظهرت عليه بحسناته كان جميلا مطيعا




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *