جديد الموقع

Search
||

الخلافة

الخلافة
قال تعالى:وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ
لما أراد الحق أن يُعرف خلق آدم الوجود على صورته وألبسه من صفاته ونفخ فيه من روح أسراره و جعله مرآتا لكمالاته و مظهرا لجماله فعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ” خلق الله آدم على صورته ، طوله ستون ذراعا
فلما خلقه ، قال : اذهب ، فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس ، فاستمع ما يحيونك ، فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم ، فلم يزل
الخلق ينقص بعد حتى الآن.”صحيح البخاري كِتَاب الِاسْتِئْذَانِ بَاب بَدْءِ السَّلَامِ رقم الحديث: 5788
 وعن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا تقبحوا الوجوه ، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن.”السنة لابن أبي عاصم رقم الحديث: 416
فكان هذا المخلوق عال القدر، نقي الأصل مصور في أحسن تقويم لأنه حضرة الجمع و الوجود طُوِيَ فيه ما نُشِرَ في الكون وجُمِعَ فيه ما تفرق فكانت الأكوان تابعة له لا هو تابع لها، تخدمه وتدفع عنه من حيث إنه حامل سر الوسع الرباني في قلبه
فالاستواء الإلهي على القلب الإنساني خلاف الاستواء الرحماني على العرش النوراني فإن الاستواء الإلهي في نقطة الدائرة والاستواء الرحماني : محيط للدائرة
فكان بذلك الإنسان حبة الأصل وكان الكون و ما فيه الشجرة المنبثقة عنها فكان العالم هو الصورة والإنسان روحها
وفي ذلك قيل
يــا سابقا في  موكب  الإبداع      ولاحقا في جيش الإختراع
اعــــــقل فأنت نسخـة الوجود      لله ما أعلاك من موجـود
أليس فيك العرش و الكرسي      والعالم العلوي والسفـلي
مـــــــــــا الكون إلا رجـل كبير      وأنت كون مثله صغيــر
إذ أن محله الأصلي من الإعراب في جملة الوجود أنه مفعول به معدوم القدرة سار فيه حكم الفعل بهمة الفاعل، ولكن حكمة السَّتْر بَنَتْ الجملة الوجودية للمجهول فأصبح الإنسان نائب الفاعل بعدما كان مفعولا به فَرُفِعَ بعدما كان محله النصب والتعب
الدائم، فاستحق السجود لحضرته لكونه خليفة، و نائبا عن الحضرة الحَقِّيَة المُسْتَتِرَة به
فكان عقله مظهر العلم، وصورته مظهر الإرادة وهمته مظهر القدرة و خياله مظهر الكَيْنُونَة فكانت بذلك المملكة الإنسانية مجمع الحقائق الربانية وصورتها لذلك قلت لك لا تخرج من قبرك
وفي حديث الولي إشارة عظيمة لمن وسع الله صدر عقله، يقول فيه الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه حاكيا عن ربه عز و جل يقول:” من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي
يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه  وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن
يكره الموت وأنا أكره مساءته”صحيح البخاري  كِتَاب الرِّقَاقِ  بَاب التَّوَاضُعِ رقم الحديث: 6050 
فانظر بعين قلبك إلى هذه الإشارة اللطيفة التي حيرت عقول المنزهين للحق ذلك التنزيه البارد الذي ما أمر الله به ولا رسوله الكريم عليه الصلاة و السلام
فَسِرُّ كل شيء كامن في ضده، وما عُرِفَ الحق إلا بجمع الضدين فنقائص العبودية ما هي في الحقيقة إلا سر لمظاهر كمالات الربوبية
وفي الحكم: “إنَّما وَسِعَكَ الكَونُ مِنْ حَيْثُ جُثْمانِيَّتُكَ وَلَمْ يَسَعْكَ مِنْ حَيْثُ ثُبوتِ رُوحانيَّتِك
يقول سيدي ابن عجيبة رضي الله عنه في إيقاظ الهمم
“الروح إذا تصفت وتطهرت من كدرات الحس عرجت إلى عالم الجبروت فلم يحجبها عن الله أرض ولا سماء ولا فلك ولا عرش ولا كرسي بل يصير ذلك في جوفها كشئ تافه وهذا أمر مَذُوق عند العارفين إذ نظروا إلى الكون بأسره ذاب ورجع ماء فإذا
شربوه صار في قلوبهم كنقطة وهم متفاوتون في إحاطتهم بالكون فمنهم من يصير عنده كالبيضة ومنهم من يصير عنده كالخردلة، وذلك بحسب اتساع النظرة وضيقها فكلما جالت الروح في بحر الجبروت صغر الكون عندها حتى لا تحس به ولذلك قال
بعضهم لو كان العرش في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به وقال آخر العرش والكرسي منطبعان في ترسي
وقال شيخ أشياخنا مولاي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه والعرش والكرسي في طي قبضتي
ثم يتلاشى الكون ويضمحل ويتصل عالم الملكوت بعالم الجبروت فلا بقاء إلا للحي الذي لا يموت وهذا لا يفهمه إلا العارفون الذين غلبت روحانيتهم على بشريتهم فصاروا روحانيين ملكوتيين أشباحهم مع الخلق وأرواحهم مع الحق فقد وسعك أيها
الإنسان الكون وحصرك من حيث جثمانيتك وبشريتك وهيكلك المحصور ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك لأن روحك متصلة بعالم الجبروت المحيط فلما تكثفت وانحصرت في هذا الهيكل لزمتها القهرية فانحجبت بالحكمة وتقيدت بالقدرة فما دامت البشرية
كثيفة بحب الشهوات والعوائد فهي محجوبة فإذا تلطفت بذكر الله وانخرق عنها حجاب الحس رجعت إلى أصلها فاتصلت ببحرها فصار الملكوت والملك في طي قبضتها فلم يسعك حينئذ أرض ولا سماء ولا يحصرها عرش ولا فرش ولذلك قيل الصوفي لا
تقله الأرض ولا تظله السماء.”إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عجيبة ص 520/ 521
في هذا المعنى لابن عربي رضي الله عنه
تُحيي إذا قَتَـلت باللحظِ مَنطِقَها         كأنها عندما تُحيي بهِ  عِيسَـــى
تَوراتُها لَوحُ سـاقيها سناً و أنـا           أتلو و أدرُسُها كأنّني مُوســـى
أُسْـقُفَةٌ مـن بناتِ الرّومِ  عاطِلة ٌ        تَرى عليها من الأنوار ناموسَــا
وحشيّة ٌما بِها أُنْسٌ  قـد اتَّخَذَتْ        في بيتِ خَلوتِها للذّكر نَاوُوســا
قد أعجَزَتْ كلّ  علاّمٍ  بِمـلّتـِنَا            وداوُديّاً , و حبراً ثمَّ قِسـّيســا




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *