جديد الموقع

Search
||

الفصل و الوصل

الفصل و الوصل
سر المعرفة برزخ بين الشيء و ظله بين النفي و الإثبات بين الحضور والغيبة بين نعم و لا، و الإنسان قد جمع مظهر الضدين لذلك كان مجلى الفصل والوصل ، وقد قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ فأحسن
التقويم هو الوصل الخالص، وأسفل السافلين هو الفصل الخالص ، فالفصل إذن هو مظهر السُّفْلِ والوصل هو مظهر العلو، وهما مستلزمان لبعضهما والعلاقة بينهما جدلية، فلا وصل إلا بعد الفصل ولا فصل إذا لم يكن هناك وصل و قد نفخ الحق في الإنسان من روحه ثم ابتلاه بالنفس وجعل لكل منهما جندا و عُدَّةً و عتادا، و في الحكم “النور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار و قطع عنه مدد الظلم و الأغيار
قال تعالى :اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
فالنور سر الوصل و مظهر الولاية التي يتولى بها الحق عبده ، أما الظلمة فهي مقام الفصل الطاغوتي وجنده ، قال حذيفة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ” تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ، فأي قلب أشربها نكت
فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا ، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا ، لا يعرف معروفا ، ولا ينكر منكرا ، إلا ما أشرب من هواه
صحيح مسلم  كِتَاب الإِيمَانِ  بَاب بَيَانِ أَنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ. رقم الحديث: 211
فكل نكتة نورانية تثمر وصلا ولائيا بالحق فإذا تواصلت من غير انقطاع أثمرت قلبا صفيا نورانيا حقيا، فكما استوى اسم الرحمن على العرش استوى اسم الجلالة الله على قلب المؤمن
و كل نكتة فَصْلِيَّة تثمر فصلا و بُعْداً فإذا تواصلت أثمرت زقوما و شجرة خبيثة طلعها كأنه رؤوس الشياطين
وإشارة لذلك قال تعالى :فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ
قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَأوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ
و قبل شرح الآية أضع بين يديك قاعدة شُدَّ عليها بالنواجذ، فإذا طبقتها ونسختها على نفسك أثمرت لك الفهم في كتاب الله عز وجل والغوص في معانيه واستنشاق دقائق أسراره
و القاعدة هي: “لا تخرج من قبرك”، أي لازم جسدك فقد انطوى فيك كل الكون ومعانيه ونسخت فيك كل الأسماء و أسرارها، فأنت مظهر الضدين وبرزخ البحرين وسيد الدارين، فلا تحسب نفسك جرما صغيرا فقد انطوى فيك العالم الأكبر
قلنا
فلما فصل طالوت الروح بجنوده ابتلاهم الحق بنهر الشهوات الفصلي السفلي فقالت الروح لجنودها (إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني) أي ليس من عالم الروح والكشف ( ومن لم يطعمه فإنه مني) أي من عالمي فله أنواري وتجلياتي (إلا من اغترف غرفة بيده) على قدر ما تسمح به الحكمة وسنة التدرج
(فشربوا منه) أي أعوان النفس ومن كتب عليه الفصل للمناسبة القوية بينهم وبينه فعَيْنُ النهر الطبيعة الجسمانية ، (إلا قليلا منهم) وهم العقل والقلب ومن تبعهم من الحواس فتجاوزوا وادي الطاغوت وظلماته فنفخت فيهم الروح عين اليقين فقالوا
( كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) فلما برزوا لجالوت العدو وهو النفس الأمارة بالسوء وجنوده ( قالوا ربنا ) أفرغ علينا صبر العارفين وثبت أقدامنا في ديوان الصالحين (فهزموهم بإذن الله) فقتل داود العقل
حس شهوة جالوت النفس وملك زمام أمرها ، فتملك أرضه الجسمانية بسر السماء الروحاني وملك القلب جنود الأطراف والحواس فعلم  حقيقة ذاته بذاته




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *