جديد الموقع

Search
||

تأصيل اتخاذ السبحة


القاعدة الفقهية المعروفة: الأصل في الأشياء الاباحه حتى يرد النهي والتحريم
ومن يكن ذا قلب سليم وعقل لبيب يرى أن السنة الشريفة لم تنه عن اتخاذ السبحة ، بل قد شجعت على الذكر وكثرته، فعن عبد الله بن بسر، أن أعرابيا ، قال : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي  فأنبئني منها بشيء أتشبث به ، قال : ” لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل
عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يسير في طريق مكة  فمر على جبل يقال له جمدان ، فقال: ” سيروا هذا جمدان سبق المفردون ” قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات
“ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ، فمن أكثر ذكر الله ، فقد باينهم في أوصافهم ، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله ، وأن لا يلهي المؤمن عن ذلك مال ولا ولد  وأن من ألهاه ذلك عن ذكر الله ، فهو من الخاسرين، قال الربيع بن أنس ، عن بعض أصحابه علامة حب الله كثرة ذكره ، فإنك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره 
وقال فتح الموصلي : المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين ، قال ذو النون : من اشتغل قلبه ولسانه بالذكر ، قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه
قال إبراهيم -بن الجنيد : كان يقال : من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان ، وقلما ولع المرء بذكر الله عز وجل إلا أفاد منه حب الله 
وكان بعض السلف يقول في مناجاته : إذا سئم البطالون من بطالتهم ، فلن يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك
قال أبو جعفر المحولي : ولي الله المحب لله لا يخلو قلبه من ذكر ربه ، ولا يسأم من خدمته . وقد ذكرنا قول عائشة : كان النبي صلى الله عليه و سلم يذكر الله على كل أحيانه ، والمعنى : في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه ، وسواء كان على  طهارة أو على حدث . وقال مسعر : كانت دواب البحر في البحر تسكن ، ويوسف عليه السلام في السجن لا يسكن عن ذكر الله عز وجل
وكان لأبي هريرة خيط فيه ألف عقدة ، فلا ينام حتى يسبح به 
وكان خالد بن معدان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن ، فلما مات وضع على سريره ليغسل ، فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح …..  وقال عبد العزيز بن أبي رواد :كانت عندنا امرأة بمكة تسبح كل يوم اثني عشرة ألف تسبيحه ، فماتت فلما بلغت القبر ، اختلست من أيدي الرجال
  وكان الحسن البصري كثيرا ما يقول إذا لم يحدث ، ولم يكن له شغل : سبحان الله العظيم ، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة ، فقال : إن صاحبكم لفقيه ، ما قالها أحد سبع مرات إلا بني له بيت في الجنة، وكان عامة كلام ابن سيرين : سبحان الله العظيم ، سبحان الله وبحمده
كان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون ، نزل إلى البحر ، وقام  في الماء يذكر الله مع دواب البحر
نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال : فكنت كلما استيقظت من الليل ، وجدته يذكر الله ، فأغتم ، ثم أعزي نفسي بهذه الآية : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء  
فالسنة المطهرة حثت على الذكر الكثير والقرآن الكريم حث ورغب في الذكر بل لم يقيده لا بشهر كالصيام ولا بأيام كالحج ولا بوقت كالصلاة وإنما جعله مطلقا شأن الذكر شأن المذكور حيث قال عز من قائل 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا
والذكر الكثير هو الذكر المتصل بغير انفصال وهو الذكر القلبي  للعبد المستأنس بشهود أنوار الصفات المعتكف في حضرة الحق ، الهائم في أنوار القرب فلا يغفل عن روح الحبيب ولا عن استحضار السر، فعن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال:” أكثروا ذكر الله ، حتى يقولوا مجنون
و الذكر بحق يكون من وقت طلوع فجر القلب إلى غروب شمس الروح، ومراتبه اللسان والقلب والروح والسر
والسبحة شرط من شروط الذكر عند القوم لما لها من فوائد جَمَّة وأسرار و معاني، و ذلك أنها تعين على العد، خصوصا لمن ألزم نفسه بأعداد كبيرة يتعذر عدها بالأنامل، كما أنها رمز لهاء الإسم الجامع، و هي مُذَكِّرَة للناظر بخالقه سبحانه وهي علامة التبري من الحول والقوة، إذ شكلها دائري كالصفر والصفر معناه الفناء وعدد حباتها بعدد أسماء الله الحسنى، إلى ما لها من أسرار أخرى، لا يسع المقام لبسط الكلام عنها 
والحق ما خلق الإنسان إلا ليعرفه قال تعالى :وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
   و لا تتحقق معرفة الحق إلا بكثرة ذكر الله ، وكثرة الذكر تستوجب السبحة للعد فإذن “ما لا يتم الواجب إلا به فهو  واجب




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *