جديد الموقع

Search
||

تعليق السبحة في الأعناق


قال تعالى : جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية
“جعل الله هذه الأربعة قـياماً للناس، هو قوام أمرهم ، وهذه الأقوال وإن اختلفت من قائلها ألفـاظها، فإن معانـيها آيـلة إلـى ما قلنا فـي ذلك من أن القوام للشيء هو الذي به صلاحه، كالـملك الأعظم قوام رعيته ومن فـي سلطانه، لأنه مدبر أمرهم وحاجز ظالـمهم عن مظلومهم والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم
وكذلك كانت الكعبة والشهر الـحرام والهدي والقلائد قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم فـي الـجاهلـية، وهي فـي الإسلام لأهله معالـم حجهم ومناسكهم و متوجههم لصلاتهم وقبلتهم التـي بـاستقبـالها يتـمّ فرضهم
 حواجز أبقاها الله بـين الناس فـي الـجاهلـية فكان الرجل لو جرّ كلّ جريرة ثم لـجأ إلـى الـحرم لـم يُتناول ولـم يُقرب. وكان الرجل لو لقـي قاتل أبـيه فـي الشهر الـحرام لـم يعرض له ولـم يقربه. وكان الرجل إذا أراد البـيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من لـحاء السَّمُر، فمنعته من الناس حتـى يأتـي أهله حواجز أبقاها الله بـين الناس فـي الـجاهلـية
و المعنى أنه كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تَقَلَّدَ من السَّمُر قلادة فلا يتعرض له أحد بسوء، وفي هذا جواز تمييز أهل الدين والعبادة بما يأمنون بها من أهل الشر، قصد نجاة النفس من المهالك سواء الحسية منها أو المعنوية
ثم إن السبحة في العنق أشبه ما يكون بالخاتم في اليد، فكما أن الخاتم له دلالة الحكم والملك فكذلك السبحة ولله المثل الأعلى لها دلالة القرب من الحق قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
فخص الحق سبحانه قربه بحبل الوريد لأنه أهم عرق في جسم المملكة الإنسانية ولاتصاله اتصالا وثيقا بالقلب وهو متصل بالوتين إذا انقطع مات صاحبه ، وهو  عرق داخل الجسم فكان بذلك قرب الحق أقرب إلينا من ذواتنا وقد جاء في الأثر “من عرف نفسه عرف ربه”فمن حيث عين الجمع فما في الوجود إلا هو ومن حيث عين الفرق فحكم قائم بفعل ، وفعل قائم بصفة ، وصفة قائمة بذات
وحبل الوريد موضعه العنق فوضع أهل الله هوية الإسم في أعناقهم لأن السبحة ما هي إلا هاء الإسم حتى تتحقق فيهم الآية حسا ومعنى
والعنق له شرف وكرامة يوم القيامة حيث جعله الحق علامة الإيمان والرفعة. قال معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة
وما الأذان إلا دعوة تامة وما  ثَمَّةَ دعوة تَمَّتْ إلا لأهل الاسم و هم المشايخ الكمل قدس الله سرهم
كما أن تعليق السبحة في العنق هو من باب التعظيم لذكر الله من باب التقرب التوفيقي لا التوقيفي وذلك لصونها من الضياع و الإمتهان وكما جاز الأصل يجوز الفرع
إضافة إلى أنها آلة لجهاد النفس مثلها في ذلك كالسيف فكما أن السيف بعد الإنتهاء منه يعلق في العنق فقس على ذلك السبحة فهي آلة الجهاد الأكبر فهي آكد حيث أن العدو لا يغفل عنك أبدا
و قد يعلق في العنق الجِراب والمِخْلاة والقِرْبَة مما يستعان به في العادات و السبحة لها كل الأولوية على ما ذكر




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *