جديد الموقع

Search
||

مقام النبوة : مقام الخلود

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس الشيخ المربي العارف بالله تعالى سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه

مجلس الجمعة: 2 محرم 1436هـ الموافق 21 نونبر 2014م

مقام النبوة : مقام الخلـــــــود

 

إعلم نور الله قلبك بنور قدسه أننا سنتحدث عن حضرة الانبياء بحكم الإجمال بحيث ستكون هذه الدروس كأنها ملخص لكل الأنبياء في مقام الألف بإعتبار أن الألف يتكون من ثلاث نقط مستقيمية أساسية فتكون الجهة العلوية منه خاصة بحضرة الرسالة وجهة التحتية منه خاصة بحضرة النبوة و نقطة الوسط هي لبرزخية الولاية…فكل نبي لابد أن يكون وليا وليس كل ولي نبي فافهم

ولكي نقرب معاني السير في مراتب الإسم نقول : أن السالك يبدأ في قراءة مراتب الإسم ذوقا بدخوله على هاء الهوية بحكم مجاهدة النفس حتى يفنى عنها وعن السوى فتظهر له لطافة السر السارية في كل موجود فيتلاشى أمام أنوار ( هو ) فإذا إستقر في هذا المقام بزغت له شمس لام القبض حتى يعلم حقيقة مركز الهوية الذي به تشكلت الدائرة وبه كان ظهورها فلا يزيغ بصر قلبه عليه لكونه مقهورا أمام سطوة ( له ) فيكون له ذلك قبلة لروحه وقلبه ثم تظهر له معاني لام المعرفة بكنه الفناء بالمحبة و الشوق فيصبح لله راجعا فيتذوق قرب ونسيم إنا إلله و إنا إليه راجعون فإذا تمكن من هذا المقام وفهم معاني وحقائق وتجليات ( لله ) تُرفع له اعلام الوصل فيُلقى في بحر أسماء الجمال حتى يصبح فرحا مسرورا ثم يعود إلى بحر الفصل حيث ذوق حقائق أسماء الجلال إذ العبد الحقيقي عليه أن يعرف الحق في الجلال و الجمال حتى تكتمل دائرة معرفته وعليه في قلب هذا الفصل أن يبحث عن الوصل فالعارف كل العارف هو الذي يجد الحياة في قلب الموت فإذا وجد وصلا في عين الفصل فينفذ من خلاله إلى برزخية الولاية حيث مساس الألف فيصح له عندئذ الإستمداد من رقائق الأنبياء…فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم ( لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن فبهم يسقون وبهم ينصرون ، ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه آخر ) قال قتادة : لسنا نشك أن الحسن منهم ، قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي في مجمع الزوائد : إسناده حسن

وجاء في حديث أخر ما يؤكد هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم   إن لله عز وجل في الخلق ثلاثمائة قلبهم على قلب آدم عليه السلام ، ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى عليه السلام ، ولله في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم عليه

السلام ، ولله في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل عليه السلام ، ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل عليه السلام ، ولله في الخلق واحد قلبه على قلب إسرافيل عليه السلام ، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة ، وإذا مات من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة ، وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة ، وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين ، وإذا مات من الأربعين أبدل مكانه من الثلاثمائة ، وإذا مات من الثلاثمائة أبدل الله مكانه من العامة ، فبهم يحيي ويميت ويمطر وينبت ويدفع البلاء قيل لعبد الله بن مسعود : وكيف بهم يحيي ويميت ؟ قال : لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون ويدعون على الجبابرة فيقصمون ويستسقون فيسقون ويسألون فتنبت لهم الأرض ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء ، أخرجه ابن عساكر

أما النبوة فهي وظيفة إلهية يجعلها الله تعالى لمن أراد من عباده فهي محض إصطفاء و إجتباء فالحق يختار من يشاء من عباده فيرسله إلى الخلق من أجل إصلاحهم و إرشادهم إلى طريق القرب والهداية…فالرسول هو من بعثه الله تعالى بشرع جديد أما النبي فهو المبعوث لتقرير شرع من قبله والعمل به…والنبي عصمه الحق تعالى من الصغائر والكبائر فليس في حقهم الخطأ قبل النبوة وبعدها فلا يتخيل أحدنا أن سيدنا موسى عليه السلام في قتله للقبطي انه فعل كبيرة فهي لها تأويل اخرفهو الذي قال فيه سبحانه وتعالى ( واصطنعتك لنفسي ) طه الاية 41…فالانبياء صلوات الله وسلامه عليهم أعطاهم الحق عقلا أكبر وجعل لهم الكمال في الخلق و الخلقة فيتركون المعاصي بكمال عقولهم وخلقهم لذا خصهم الحق بالعصمة من دون سائر البشر

والنبي له نفس راضية فقد غمرها الحق بالرضوان وهو الكثرة في الرضا ومن غمره الله بالرضوان كيف يخطئ ولو كان ينسب للنبي الخطأ لكان عليه أن يعود لمن هو أفضل منه وهذا لا يصح و إنما النبي لا يعود في كل شؤونه إلا لله تعالى…أما ورد في حقهم في الأخبار من نسبة الخطيئة إليهم فذلك لا يعدوا كونه صورة للمعصية وليست حقيقة المعصية…وكل نبي له عقل يخصه ويخص ذلك العصر و القوم الذي بعث إليهم فيه يعني له إحاطة عقلية تعم جميع أهل عصره إلا عقل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فعقله شامل كلي ولذا قال صلى الله عليه وسلم : ( كنت نبيا و آدم بين الروح و الجسد ) أخرجه أحمد…فكانت له أولية النبوة و أخرية النبوة كما جاء في صحيح مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ) وفي صحيح مسلم أيضا قال صلى الله عليه وسلم : ( فضلت عَلَى الأَنْبِيَاء بست : أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إِلَى الخلق كافة، وختم بي النبيون ) فبه صلى الله عليه وسلم إستدارة دائرة النبوة وهو فصها

ومقام النبوة ضروري أن يكون تابعا لمقام الرسالة يستمد منها لذلك قلنا أن نقطة النبوة في الألف تكون أسفل الألف و نقطة الرسالة تكون الأعلى ومنها يهبط المدد على حضرة النبوة وذلك بحكم إتساع دائرة الرحمة الرسالية قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الأنبياء الاية 107…فجاءت تاء الرحمة مربوطة وليست مفتوحة إشارة لإحاطة دائرة الرحمة بالعالمين لذلك ناسب نزول هذه الأية في سورة الأنبياء لانهم عليهم السلام كانوا مظهرا من مظاهر هذه الرحمة الرسالية في عالمهم…ولما كانت حضرة النبوة تابعة لحضرة الرسالة إستنبط أهل الله تعالى قاعدة تربوية مهمة فقالوا ان المريد مادام تحت تربية شيخه فهو تابعا له يستمد منه ويمشي على أثره فلا يقدر المريد تجاوز مقام شيخه حتى ينتقل إلى رحمة الله تعالى

 

واعلم أن العقل النبوي المطلق يفارق العقل الإنساني المقيد في كونه يعود إلى المبدأ الأول يعني إلى نقطة الإنطلاقة لأولية النبوة بحيث يعود إلى أولية مبدأية العلم فكأنه عاد بالأشياء الفانية ففهم طلسمها وعاد بها إلى الأصل الأول لذلك سميت هذه الحضرة بمقام الخلود لأن الأنبياء لهم خلودية الألف المقدر…فالنبي يبقى نبيا حتى ولم يتبعه أحد ويبقى كذلك حتى و إن تبعه قومه ثم نكثوا عهدهم معه فله الخلود ألا ترى أن سيدنا آدم عليه السلام كان نبيا في الجنة وبقيا نبيا عند خروجه منها…له الخلود لأنه لا يهتز و لا يبالي ولا يتزعز مهما نزل به من الإبتلاء والعناء في دعوته…ويعجبني هنا كلام لإبن القيم ذكره في كتاب الفوائد يقول فيه : ( الطريق طريقٌ تعِب فيه آدم ، وناح لأجله نوح ، ورُمي في النار الخليل ، وأُضْجع للذبح إسماعيل ، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين ، ونُشر بالمنشار زكريا ، وذُبح السيد الحصور يحيى ، وقاسى الضرَّ أيوب … وعالج الفقر وأنواع الأذى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ) فهكذا مقام الخلود لا تراجع فيه فهو معدن الثبات والرسوخ

وهذا العلم الأولي المستمد من العقل الأكبر عزيز وغير مقيد هذا العلم يُظهر لك نوامس إلهية كأنها طلسم وهذا الطلسم ليس إلا الألف الذي تمظهر بعدة آلفات مقدرة…لأن الذات الموجدة له إقتضت ذلك لابزمان ولا بمكان حتى جعله الله تعالى في صورة الحس تنتقل صفاته في يد سيدنا موسى عليه السلام و سيبقى إلى نزول سيدنا عيسى عليه السلام…ولو انك نظرت إلى هذا الكون بنظرة باطنية حديدية لوجدته كله نورا كأنه قرص قمري نوراني لا هوموصول ولا هومفصول عكس النظرة العدمية له…والوجود أفاض على هذه الأعيان فيضة ربانية أتت على هذه الممكنات العدمية فظهر سر كنزه الباطني في عودتك للأصل الأول…وهنا حارت الألباب في الكلام عن كشفية الحق تعالى لهذا المقام كما قال سيدنا الخضر عليه السلام عندما رآى طائرا أخذ بمنقاره من البحر فقال لسيدنا موسى عليه السلام والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر…فهي نقطة من بحر علم المصطفى صلى الله عليه وسلم…والعقل المقيد حكمه وطاقته تحتاج إلى قبس من اولية العقل الأكبر حتى يتسع للعلوم اللدنية التي لا تتجسد في الأشياء بل هي علوم قديمة أزلية لا تفهم في التقييد فبحكم شرعية الرسالة فهم الذين يقدرون على إنزال ما هو أزلي في الأين

ولقد أشار صلى الله عليه وسلم لكونه أوتي العقل الشامل عندما قال : ( أوتيت جوامع الكلم ) فاوتي صلى الله عليه وسلم كل المعاني والحكم والنوامس الإلهية في كيفية وصل نَفَسْ عقل شامل إلى عقل مقيد فهو صلى الله عليه وسلم كان يصف نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار حتى أصبح عندنا تصور عام حول ذلك…لأن العقل الشامل أنتج للعقل المقيد هذه الصورة أما حقيقة ما هنالك فلا قدرة للعقل المقيد على إدراكه كما روى عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال : { لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء }…وكذلك ما يظهر لك في التجلي فانت تراه على هذه الصفة او الصورة لكنه شيئ اخر فتقول بصوت مرتفع ( ليس كمثله شيء )الشورى الأية 11…فكل ما تراه أيها المريد فهو مقيد إلا إذا عدت إلى عقل قلبك الذي إستفدته من عقل شيخك والذي إستمده من عقل باب مدينة العلم سيدنا علي عليه السلام ورضي الله عنه والذي إستمده من حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم صاحب العقل الشامل

ولقد كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : ( اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا ومن فوقي نورا ومن تحتي نورا ومن أمامي نورا ومن خلفي نورا وأعظم لي نورا ) واعظم لي نورا هي شمولية العقل الذي أراده المصطفى صلى الله عليه وسلم…فالشيخ الرباني يعطيك بدئية من نور العقل الشامل ويقول لك عليك أن تكون ذا همة وصدق ومحبة حتى تثمر فيك هذه النقطة وتتلاشى في نورها فتصير نورا ثم تبدأ عندئذ في العلم…فالطريق تبدأ من التلاشي في النور حتى تصير نورا فلا تكون لك نصيب في أولية العلم حتى تمر من هذه المراتب فالكثير من يسقط ويزل والكثيرمن يعود من حيث جاء والسعيد من ثبته الحق…فلا يظن المرء ان هذه الحضرات هينة وسهلة فلابد من تجاوز العقل المحسوس المقيد والإستمداد من العقل المحمدي حتى يكون لك نصيب من رقائق هذه الحضرات




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *