جديد الموقع

Search
||

حضرة الولاية:كنت بصره الذي يبصر به

بسم الله الرحمن الرحيم
مجالس الشيخ المربي سيدي محمد فوزي الكركري  رضي الله عنه
مجلس الجمعة : 13 جمادى الثانية 1426هـ الموافق ل 03 أبريل 2015م
مجلى الخلود
حضرة الولاية  :  كنت بصره الذي يبصر به
المجلس الثالث

                    اعلم نور الله قلبك اننا كنا في المجلس الماضي قد تحدثنا في حضرة الخلود في محورها المقيد في مقام الولاية عن كيفية التخلص من عروق الظلام وذلك بجعل الثلاث مئة و ستون عرقا كلها نورانية بحيث يكون هذا النور المستودع فيها كمنزلة من المنازل حتى يكون لكل عرق لون يخصه ومنزلة تخصه تختلف عن الأخر من حيث الثمرة و النور وذلك بحكم الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن نبي الله – صلى الله عليه وسلم – قال :  « إن الله خلق لوحًا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلثمائة لحظة، يخلق، ويرزق، ويميت، ويحيي، ويعز، ويذل، ويفعل ما يشاء » فالحق سبحانه وتعالى خلق لوحا محفوظا فيه ما كان وما يكون و أخبرنا أنه مخلوق من جملة المخلوقات إلا أن طاقته ونورانيته قوية وعالية جدا و اخبرنا عزوجل أنه خلقه من درة بيضاء بحيث بقي أمر هذه الدرة مستورا خفيا لا نقدر على وصفها بمخلوقية ولا غيرها…ولما كانت لله 360 لحظة من لحظات الأمرية وكان عدد عروق بني آدم الأمهات هو نفس عدد اللحظات الأمرية علمنا أن لذلك علاقة بحيث تتوجه هذه اللحظات على قلب العبد الولي فتجد فيه اللمحة النورانية التي لا لون لها فتنعكس إلى 360 حسب العروق فيكون عندئذ لكل عرق لونه الخاص ونوره الخاص و ثمرته التي يستخلصها السالك في سلوكه منه
والحق سبحانه وتعالى عندما أخبرنا انه بقدرته الشاملة خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب…فهنالك هامت العقول بحكم التصوير ورجعت عاجزة خاضعة على أعتاب العظمة كيف للوح كبير خُلق من درة صغيرة بمعني أن أصغر شيئ يخلق الله منه أكبر شيئ فاللوح جامع لكل الأزمان و العوالم ( الملك و الملكوت و الجبروت ) ومع ذلك خلقه الله تعالى من درة جرمها أصغر من جرم اللوح ، ولم يتغير حجمه قط وحتى الدرة لم تتغير من حيث الحجم…واللوح رغم أنه ديوان فإن فكر الإنسان فيه لم يستطع الإتيان بما دون فيه وهذا أقوى دليل على قصور العقل…أما العارف إذا توجه قصده للنظر إليه فإنه يخرق ببصيرته الحجب ، بل إن توجه قصده لأي شيئ خرقه ببصيرته حتى يكشف له الحق حقيقة ذلك الشيئ…فإذا أخذنا شخصين أحدهما عارف له بصيرة والاخر محجوب لا يرى الا المحسوس ونظروا جميعا إلى حائط ما فإن صاحب البصيرة سيخرقه أما الاخر فسيبقى مع الحائط لأنه لا يرى غيره
فالعارف إذا حصلت له صورة الشيئ المنظور إليه ببصيرته فإن ذلك يتعدى إلى بصره فيشاهد ماكان يراه ببصيرته ببصره وذلك لاتحاد نور البصر مع نور البصيرة بحيث إذا قوي نور البصيرة وصل الى البصر فإذ إنكشف للعارف ببصيرته عندئذ صور الجنان أو غير ذلك من الغيبيات فسيرى ببصره تلك الصورة المشهودة بعين القلب مرتسمة فيما يقابله يجدها مرقومة في الأين أمامه فإن كان المقابل له حائطا رآها في الحائط وإن كان بصره متوجها نحو يده فسيراها في يده وهكذا…لذلك صاحب البصيرة يرى ما لايراه الأخرون الذين لا بصيرة لهم ومثال ذلك ما أخرجه البخاري في ( التاريخ ) والبيهقي وأبو نعيم وابن مردويه عن انس رضي الله عنه قال خرجت مع النبي {صلى الله عليه وسلم} إلى المسجد وفيه قوم رافعي أيديهم يدعون فقال ( ترى بأيديهم ما ارى ؟ قلت : وما بأيديهم ؟ قال : بأيديهم نور، قلت : أدع الله تعالى أن يرينيه فدعا الله تعالى فأرانيه، فأسرع ، فرفعنا أيدينا ) قال البخاري لا يتابع عليه…فهذا الحديث يبين أن من له بصيرة نافذة يرى ما لا يراه أصحاب الحس وقول الصحابي رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وسلم أدع الله تعالى أن يرينيه دليل على أن صفاء البصيرة لابد له من واسطة والتي هي حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ مقام التزكية له بالأصالة ولغيره من ورثته من أولياء أمته بالنيابة…و أيضا ينبغي أن تعلم أن ما حصل لك من الكشف أيها المريد إنما هو ببركة دعاء شيخك فالشيخ هو الذي يشفع لك حتى يدخل النور في قلبك فلا تظن انك حصلت عليه بعلمك أو عملك وسيدنا أنس رضي الله عنه كان يعلم ذلك لذلك طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم حتى يُكشف له عن ذلك المشهد يعني طلب الوسيلة و الواسطة و تأمل أيضا حال الصحابي الجليل كيف أسرع بالدعاء و التقرب عندما رآى النور حتى تتعلم منه كيف تقابل النور…فتقابله بالخضوع و التذلل لرب العزة حتى يثمر في قلبك

ومن الأحاديث التي توضح ما نحن في صدده حديث الكسوف الذي رواه البخاري وغيره وذلك ان  الشمس كسفت أول مرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك بعد أن ارتفعت بمقدار رمح بعد طلوعها وأظلمت الدنيا ، ففزع الناس ، وفزع النبي عليه الصلاة والسلام فزعاً عظيماً حتى إنه أدرك بردائه ، أي : من شدة فزعه قام بالإزار قاصداً المسجد حتى تبعوه بالرداء ، فارتدى به ، وجعل يجره أي : لم يستقر ليوازن الرداء من شدة فزعه ، وأمر أن ينادى الصلاة جامعة من أجل أن يجتمع الناس كلهم ، فاجتمعت الناس كلهم ، فاجتمعت الأمة من رجال ونساء ، وصلى بهم النبي عليه الصلاة والسلام صلاة اطال قيامها وركوعها وسجودها وعرضت عليه الجنة والنار فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما  قال : خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه …. إلى أن قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله قالوا : يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت فقال : إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط ) وهذه الرؤية للجنة والنار كانت متمثلة في الحائط ويؤيد ذلك حديث أنس رضي الله عنه في الصحيح انه صلى الله عليه وسلم قال  : ( لقد عرضت على الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي ) وفي رواية :  لقد مثلت  ولمسلم :  لقد صورت
والكسوف أية من أيات الله تعالى يخوف بها عباده كما جاء في الحديث و إذا اشتد الكسوف تنعدم رؤية المحسوسات لصعوبة الرؤية في الظلام ولكن من لطف الله تعالى أن هذا الأمر لا يستمر سوى دقائق معدودة…وذلك العرض التصويري للجنة والنار كان في صلاة الكسوف فخرق ذلك إلى بصره الشريف صلى الله عليه وسلم وكان مقابله عرض الحائط فهو صلى الله عليه وسلم توجه ببصيرته إلى الدار الأخرة فرآها ببصره متملثة في جرم صغير الذي هو الحائط…فسبحان الله العظيم مع صغر جرم العين إلا أنها تنطبع فيها صور أكبر جرما منها كالسماء مثلا وزيادة على هذه النعمة الربانية التي انعم بها على بني آدم بحيث زيادة على رؤية العين الصغيرة للأشياء الكبيرة زاد للعبد بصيرته فيرى بها ما وراء المحسوسات يرى الملك ببصره و ملكوت السموات والأرض ببصيرته
و أيضا من الأحاديث الدالة على الرؤية بالبصيرة ما جاء في صحيح مسلم أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً ، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني
ففي التمثيل الملكي فإن ابليس يأتي من أربع جهات ( الأمام والخلف و اليسار و اليمين ) اما جهة الفوق و الأسفل فلا يأتي للعباد منها والعين تنظر ست جهات… والصحابي رضي الله عنه اتاه ابليس من جهة اليسار لأن أي امر يكون شرا فإنه ياتي السالكين من جهة اليسار او بعبارة اخرى كل ما جاء عن اليسار فهو سفلي أو طاقته أخف…فكلما كان نور قوي أو جنة أو ملائكة أو قواسم القرآن إلا أتى من جهة اليمين لذلك كان صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في شؤونه كلها
والعارف مثلا : إذا إنكشفت له الجنة و الأرض معا فإنه سيرى الجنة عن يمينه و الأرض عن يساره لأن الجنة نورها وطاقتها أقوى من الأرض…وسبحان الله تعالى حتى العين لديها ست عضلات وترى ست جهات فالعين هي كالكوكب تديرها عضلات يمين ويسار وفوق وتحت…إلخ وهذه الشعرات التي في العين فيها نسبة من الحديد
ولقد قال سبحانه وتعالى عن البصر في سورة ق : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) الأية 22…فسبب نقص البصر هو الغفلة فإن أكثر المريد الذكر تقوى بصره واتحد مع بصيرته فصار للعبد بصر حديدي…والحديد هي سورة من سور القرآن تبتدئ بفعل ما ضي ” سبح  ” وهو أحد أساليب الثناء على الله تعالى وتفيد الإستمرارية في الماضي يعني قبل البصر و الحركة و الكلام فبمجرد يكون لك استنشاق وزفير فقد تخطيت اللحظة…فعلى المريد أن يكثر الثناء على الحق تعالى والتفكر في السموات والأرض مع الذكر فيصبح بصره عندئذ بصرا حديديا
وإليك هذا الرسم التوضيحي حتى نقرب لك تلك العلاقة بين النظرة بالبصيرة التي تكون عند صفاء القلب وبين النظرة بالعين المجردة التي لا ترى إلا المحسوسات

 

 

 

 

 

 

 

وهذا رسم تقريبي للعين التي تعتمد في رؤيتها على ضوء الشمس والقمر



لقد ذكرنا سابقا كيف تكلم الحق سبحانه وتعالى عن البصر الحديدي الذي أصبح حكمه حكم البصيرة لأتحادهما وفي الحديث يروى أنه قيل : إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد وجلاؤها ذكرالله وفي رواية : ذكر الموت وقراءة القرآن…فبين  أن القلب يصدأ وإذا صدأ فانه يحجب رؤية البصيرة وبالتالي تكون الرؤية البصرية لا تنظر إلا للمحسوس فيكون العبد محجوبا أما إن ذكر الله تعالى و أخذ ذكره بسند متصل فإنه سيدخل في قلبه نور الذكر المأذون فعندما يأتي ينبع النور من القلب ( البصيرة ) تنكشف المشاهدات و التجليات وتحجب ما تراه العين فإذا كانت صور المحسوسات تنطبع في البصر بسبب ضوء الشمس والقمر فإن المشاهدة تنبع من الداخل فتأتي رسائل من النور من الألف المقدر فتستقبلها العين وتعطي النبأ وبهذا يفهم المريد رسائل  وعلمنا آدم الأسماء كلها
ونتعلم من حديث الكسوف الذي إنكشف للحبيب صلى الله عليه وسلم فيه عن الجنة و النار نتعلم منه ان المريد ينبغي أن يكون حاله حال الخوف والفزع ويعينه على ذلك ذكر الموت إذ به يقطع طول الامل وحب الدنيا وعلى المريد في بدايته خاصة أن يهيئ لنفسه مثل الحالة التي يعطيها الكسوف من الظلام فيغلق عينيه حال الذكر او يختلي بنفسه كل ساعة في كل ليلة في الثلث الاخير من الليل حتى تتقوى نورانيته و لا يشغله الحس ولا يبقى معه وذلك من اجل ان تنكشف له عوالم اخرى لا يدرك بالعين المحسوسة  لان العين كل ما تراه من صور المكونات الا وتنطبع في القلب فامحوا كل الصور من القلب النور حتى يكون لك بصرا حديديا كما قال سيدنا علي كرم الله وجهه في سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : كأنه ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *