جديد الموقع

Search
||

ختام مجلس الحضرة الهارونية

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد تنوعت نظرات العارفين إلى القلب كل واحد منهم قسمه حسب حاله ومقامه فهناك من قسمه بحكم نظره إلى أيام السنة فجعله 365 جزء وهناك من غلب عليه النظر إلى ساعات الليل والنهار فقسمه إلى 24 جزءا ومنهم من قسمه إلى أربعة أجزاء حسب نظره إلى فصول السنة…وهذا التقسيم يكون منهم بحكم المشاهدة وليس الخبرلأن الخبر قد يكون صحيحا فيصح التقسيم و يكون غير ذلك فتخطئ في التقسيم.

وهذا النظر إلى اليوم والساعة والفصل ليس المقصود منه هذه الثلاثة بذاتها لأنها مخلوقة مُلكية إنما مرغوبهم منها تلك الرقائق الملكوتية التي تظهر في القلوب عند إستجلاء حقائق قوله صلى الله عليه وسلم : (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) رواه مسلم…فخلف الأواني معاني ومن وقف مع الفاني حُجب عن الباقي.

والعارف يدخل على قلبه بحكم هاء الفناء فيبقى له هذا التقسيم الفاني…فيحصل على النظرة الأليفية (كان الله ولم يكن شيء غيره ) البخاري وذلك عند رؤيته للحروف فلايحجبه إعوجاجها عن شهود لطافة الألف فيها…لذلك قال من عرف هذا المعنى : وهو الآن على ما عليه كان

ويظهر هذا السريان لمن غاب عن جسمه وعن ما سوى الله تعالى أما إذا رأيت المريد خرج من الخلوة وهو لازال مشغولا مع رسمه فذلك من جموده وغبائه…وسبب الجمود غياب القلب عن الواسطة الدينية وإبدالها بواسطة دنيوية فيقع المريد في الحجاب…فالقلب لابد له ان يميل تجاه ما غلب عليه لذلك جاء في الاثر عن المسيح عليه السلام قوله : ( ضعوا أموالكم في السماء ) وقد مر معنا سبب فتنة بنوإسرائيل حين عبدوا المال في صورة العجل..لان قلوبهم كانت متعلقة به فكانت سفلية…لذا هذا التوجيه العيساوي تعليم من أجل أن يستقيم لام الواسطة عندكم لأن صرف الاموال في الصدقات ووضعها في حجر الملائكة…إبتغاء الجنة يجعل همتك علوية على الأقل…واعلى منه من جعل صدقته لله لا يطلب عنها عوضا سوى رضا مولاه وقربه كما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها والسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها قولهن: ( إن درهم الصدقة يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير) فكانوا يعطرونه قبل وضعه في يد الفقير… ففرق بين من يعمل لله من اجل الجنة وبين من يعمل لله من اجل الله..كالفرق بين الجنة والله سبحانه وتعالى فافهم

لذلك لا يذوق حلاوة الواسطة ويعرف اللام إلا من صار لله جل وعلا…بالتجرد عن السوى والغياب عن النفوس السفلية وصولا إلى النفس المطمئنة عندئذ يصير في حكم إستقامة الروح إذا نظر إلى اللام رآه ألفا لصفاء نظرته وذلك بالغياب عن الصور المعدومة اما من بقي معها صار محجوبا

فالنظر إلى لام الواسطة على أنه ألفا هو عين النظر إلى العبد الرباني المخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم : { إن الله تعالى قال : من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر فيه ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعـطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه } رواه البخاري فمن وقف مع البشرية حُرم سر الخصوصية

لذلك إختلفت نظرات العباد إلى الواسطة العظمى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنزل الله في حقه : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) التوبة الأية 128…فعلى حسب منزلة أنفسهم نظروا إلى الواسطة….فمن كانت نفسه امارة أو لوامة غلبت عليه النظرة الجسدية ومن كانت نفسه مطمئنة غلبت عليه النظرة الروحية ومن كانت نفسه كاملة شاهد الكمال المحمدي فجمع بين النظرتين الجسدية والروحية

فأصحاب النظر الجسدي بقوا مع المجسمات فإذا نطقوا من مقامهم قُيدت كلماتهم لأنها فناء…أما من كان روحانيا فكلامه علويا لا تطلع عليه الملائكة فتقيده ولا الشياطين فتفسده لانه من معدن سر الإخلاص…فالعارف يرى كل شيئ هاءا ثم يرتقي فيرى كل شيئ لاما ثم يرتقي فيرى كل شيئ ألفا فمن نظر إلى قلبه من حضرة مساس الألف يجده مائلا نحو اللام

والألف خيط تمدده كيف تشاء لذلك ظهر في جميع الحروف كما ظهر الواحد في جميع الأعداد…لذلك من وصل إلى مساس الألف ونظر إلى الحروف يجدها كلها ألفا ثم إذا نظر مرة اخرى قرآها لاما ثم ينظر مرة ثالثة فيجدها هاءا وهذا كله خاص باهل المشاهدة لا يُدرك بغيرها….فمثلا إذا ظهرت لك الحاء ودققت فيها حتى عدت بها إلى كنزية الألف وبقيت معه بحكم الحب فسيظهر لك بعد ذلك انه صار لاما فيزداد عشقك له لان مرتبة اللام 70 بعدد الحجب التي بين الحق والخلق فتخترقها ثم تنظر إليه بكونه فناء لا وجود لك ولا له في الهاء…وانت بهذا السير تقرأ إلـــه ( الف ولام وهاء ) حيث دخلت على الحضرة فعلمتك…وهكذا إذا ظهر لك سريان الألف في الحاء ستعرف درجتها الثلاث : الجبروتية والملكوتية و الملكية…كما في هذا الرسم التوضيحي

وعندئذ ستعرف لماذا سماها أهل الله الحاء العرشية ؟ ولماذا تأخذ رقم ثمانية في حساب الجمل ؟ ولماذا أقسم الحق بها في كتابه سبع مرات بإضافة الميم المحمدي لها ( حم ) ؟…كل هذا تدركه بالمشاهدة والكلام موجه خصيصا لأهلها….وهكذا تفعل مع كل الحروف تنظر إليها هاءا ثم لاما ثم ألفا حتى تعرف حقيقتها

ونحن في الحضرة الهارونية نتعلم النظرة الأليفية لأن هذه الحضرة حضرة تدخلنا على مساس الألف المكون من ثلاث مراتب  مرتبة الرسالة في أعلاه ومرتبة الولاية في وسطه ومرتبة النبوة في أدناه…كما في هذا الرسم التوضيحي 

فسيدنا موسى عليه السلام رسول الله إلى بني إسرائيل وسيدنا هارون عليه السلام نبي الله تعالى وخليفة سيدنا موسى عليه السلام على قومه…والأدلة على أن سيدنا هارون عليه السلام كان نبيا وليس رسولا كثيرة منها قوله تعالى : (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) مريم 35… ومن السنة حديث مصعب ابن سعد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليا فقال أتخلفني في الصبيان والنساء ؟ قال ( ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه ليس نبي بعدي ) رواه البخاري ومسلم

والاستثناء يدل على نبوة سيدنا هارون عليه السلام…وأهل العلم يقولون كل رسول نبي وليس كل نبي رسول…وكل نبي ورسول ولي لله تعالى وقد قال ابن تيمية رحمه الله : (وقد علم أن كل رسول نبي، وكل نبي ولي، ولا ينعكس)…لذا كل رسول تجتمع فيه حقيقة الألف بمراتبه الثلاثة…أما النبي فتظهر فيه مرتبتين فقط من مراتب الألف وهي : الولاية والنبوة

لذلك لما ذهب سيدنا موسى عليه السلام إلى ميقات ربه وترك على قومه سيدنا هارون عليه السلام…فكأنما بقي معهم نصف الألف السفلي فكان تأثيره على قومه ضعيفا حتى مالوا نحو الذهب وعبدوا العجل لانهم فقدوا نصف الألف الرسالي العلوي الذي بقي مع سيدنا موسى عليه السلام وفقدوا أيضا نصفه الأخر النبوي عندما لم يريدوا ان يستمعوا لسيدنا هارون عليه السلام عندما نهاهم عن عبادة العجل لسيطرة إتباع الهوى عليهم

ولكن عندما رجع موسى عليه السلام وأعاد وصل الألف العلوي بنصفه السفلي عندما أخذ بلحية أخيه قال تعالى : (وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) الاعراف 150…كل هذا على سبيل الإشارة لا الظاهر…فتمكن بإذن الله تعالى من نسف العجل في اليم نسفا…وبين لهم طريق الهداية قال تعالى حاكيا عنه : (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ) طه 98…فحيثما ظهر الألف تحل الهداية والإستقامة…ولقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن

مسعود رضي الله عنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ، ثم قال : ” هذا سبيل الله مستقيما “..فتأمل

فالعودة بالحروف إلى كنزية الألف يوصلك إلى درجة العبودية التحقيقية بالذل الدائم لعز الربوبية…لانه سيظهر لك سر ( بي في الأثر المروي ( فبي عرفوني ) فالباء رتبتها إثنان و الياء عشرة فيكون المجموع 12 وهي عدد حروف لا إله إلا الله…ولا إله إلا الله جمعت النفي والإثبات أوقل الفناء و البقاء أوقل العبودية و الألوهية

فالخط الأليفي المستقيمي هو خط السير في مدراج ومعارج لا إله إلا الله محمد رسول الله…بميلان القلب تجاهها وتعلقه بها حتى يحصل على تحققها…لذلك احرصوا على معرفة ميلان قلوبكم نحو من ؟ وأين هو ؟وماذا يريد ؟…وطريقة معرفة ذلك سهلة جدا ما عليك سوى الجلوس في غرفة لوحدك في الثلث الاخير من الليل وضعْ مرآة أمامك وخاطبها بكل صدق عن أعمالك ومبتغاك ومرادك…هل انت تريد الله عزوجل ؟ أم تريد ما سواه ؟ وهذا معنى إستفتاء القلب الذي ورد في الحديث النبوي : ( استفت قلبك ) رواه أحمد وحسنه الألباني

فالقلب إذا مال نحو أمر ما خضع له وتذلل له…وإن أردت أن تعرف قدرك عند الله ففتش في قلبك عن قدر الله في قلبك…ولهذا تدركون السبب الذي جعل الكفار يعبدون الأصنام من دون الله تعالى لان قلوبهم مالت إليها حبا وخضوعا و إعتقدوا فيها المزية والأفضلية لذلك لم تستقبل قلوبهم انوار الهداية كما قال سبحانه وتعالى فيهم : ( إن الله لا يهدي القوم الكافرين )المائدة 67…لأنه لا تحل الهداية في قلب حتى تزول منه السوى وتنمحي وعلى قدر فراغ القلب من السوى على قدر حلول الهداية وإستقرارها فيه فافهم

فالكافرون عبدوا الموجودات وهم يعرفون أنهم يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم…لذلك إذا سألتهم سموا لنا ألهتكم يقولون لك هذا حجر أو بقر أو شجر او غيرها…فهم يدركون ما يعبدون لذلك تاهوا في بحار الضلال…لذا قال تعالى فيهم : (وجعلوا لله شركاء قل سموهم ) الرعد 33…فسموهم بتسميات الموجودات لذلك حكى الحق سبحانه وتعالى عن سيدنا إبراهيم قوله : ( فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) الانبياء 63..فكان جواب قومه : ( لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) الانبياء 65…فغلبهم ودحض باطلهم وتبين انهم يعرفون ما يعبدون لذلك لم يهدهم الله عزوجل لأن لهم عقل يميزون به لكنهم إتبعوا الهوى ومالوا نحو السفليات…لذلك احذروا أن يكون هواكم إلى غيره…واجعلوا قلبوكم متعلقة بلامي القبض والمعرفة…فعلى قدر ميلك نحو الواسطة وعلى قدر محبتك وتعظيمك لها تمزق الحجب السبعين التي بين الحق والخلق فتحصل على معرفة الله تعالى

والذي يمنعك من تعظيم الواسطة هي نفسك التي تميل نحو الرياسة او الجاه او تتوهم العلم والمعرفة والقرب بوقوفك معها دون ردها لأصلها وشهود المنة فيها…لذلك كل شيء جاءك ثقيل على نفسك فاعلم أنه يشير الى نقص فيك…وهكذا فقُد نفسك نحو اللام تُقاد لك الموجودات

لذا كانت معرفة النفس هي أصل العلم ف( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) لذلك من اجل التربية خالف نفسك أولا وجاهدها حتى تطئمن ثم اصحبها إلى حضرة الله…لذا جعل اهل الله أصولا تساعدك على الظفر بكنزك المدفون فيك…فجعلوا لبس المرقعة والتسول في الأسواق وتعليق السبحة على الأعناق…حتى تصبح لا تشعر و لا تبالي بنظر أحد إليك سوى الله تعالى

فالقيام بهذه الأصول يحررك من تقيد نفسك حتى تحظى بالإطلاق…فمن لم يستطع لبس المرقعة أو وضع السبحة في العنق كيف له أن يسيح في القفاري ويمشي حافي القدمين ويناجي ربه في الأسواق وينام بين المقابر حتى يتذوق الليلة القبرية هنا قبل وصولها…فهكذا فلتستعدوا لليلة ليس فيها إنارة ولا انيس فزينوا أيامكم بالأعمال الصالحة حتى يظهر لكم في صورة رجل جميل الهيئة في القبر حتى تستأنسوا به وتنسوا من فقدتم في الدنيا

فبمجاهدة النفس يظهر لك هذا الكون على حقيقته وأنه عدم لا وجود له إلا بالله تعالى…فيرزقك الله نورا تعرف به قربه منك ورؤيتك لهذا النورهي رؤيتك بعين بصيرتك للحق وليس لله تعالى لانك ترى مَثَلُ صفته تعالى أما الله سبحانه وتعالى ( لا تردكه الأبصار )..أما وصفك لهذا النور فهو وصف للزجاجة التي ظهر فيها النور اما النور لا لون له ولا قدرت لك على وصفه…فالروح لطيفة ترى اللطافة السارية أما الجسد فمقيد لا يرى إلا الكثافة لذلك في المشاهدة ترى روحك في صورة جسدك فترى الجنان والنيران وذلك بعين قلبك

وبحكم رؤيتك لمثلية النور ( مثل نوره ) تعرف قربه أما هو فالعجز عن إدراكه إدراك…فإذا كنت تعجز عن وصف الألف فكيف بمن أوجده…والأنوار والتجليات تنفع العبد الذي عقله غير مقيد لذلك قد تكون حجابا إذا ما وقفت معها اما من ذاق سر النور وخرق الأسوار فلا حجاب عليه




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *