جديد الموقع

Search
||

علم الألف ج2

بسم الله الرحمن الرحيم

إعلم نور الله قلبك بنور قدسه أن الدخول على الألف المقدر يعطي للعارف شهود الحقائق كما هي على صفائها…ولقد كنا بفضل الله تعالى قد تحدثنا عن نسمة من أذواقه وإتماما لما بدأناه بقي أن نكشف النقاب في هذه الحضرة عن لطائف قوله تعالى : ( فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) القصص 24

فنقول معتمدين على الله : أن أعظم المشاهد الأقدسية التي كانت تغلب على سيدنا موسى عليه السلام هي مشهد الربوبية بحكم شهوده لأنوار إسم ( الرب ) جل جلاله فكان كثير الإلتجاء إليه كما هو ظاهر في كتاب الله تعالى فمن ذلك أنه عليه السلام لما سقى لبنات شعيب ثم تولى إلى الظل بحكم المشهد

القدسي لتجليات الربوبية حيث الظل يشير إلى شهود عبوديته أمام ربوبية الحق تعالى فذلك الذي يقتضيه إسم الرب عز وجل أو تقول أوى إلى الظل حيث يشهد عدميته أمام وجود الحق تعالى فالظل هو حقيقة الإمكان يُشهد ولا يُوجد فسبحان القاهر فوق عباده…أو تقول لما تحقق عليه السلام بوصفه وصح له الإفتقار أواه الحق إلى ظل قدسه فطاب له الدعاء كما قال تعالى على لسانه رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير القصص 24…فأبرز كمال افتقاره عند شهوده للكمال الإلهي فنسب فقره للخير مع أن الفقر لا يكون إلا لله تعالى ولكن هذا الخطاب نبع من كمال تحققه عليه السلام فهو يشهد الأنوار الحقية في المظاهر الخلقية…يشهد الذي به قامت الأشياء و الأشياء في مشهده كأن لم تكن، ولقد جاء في بعض التفاسير أنه بدعائه عليه السلام كان يشكي الجوع، وهنا لطيفة أخرى نشير إليها وذلك أنه عليه السلام من أهل مقام العندية الذي يحصل لكل عبد حامل لإسم الله الأعظم ذوقا و شهودا، والتحقق بالعندية أشار إليه الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي! قَالَ يَا رَبِّ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟! قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ يَا رَبِّ: وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟! قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ يَا رَبِّ: كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ! أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي! » لذلك عندما سمع سيدنا شعيب عليه السلام من بناته دعاء سيدنا موسى عليه السلام قال إنه يريد الطعام و أضمر في قلبه ما علمه من سر تنزل أنوار الخطاب، فهو عَلِم باطن موسى عليه السلام وبناته علموا ظاهره عليه السلام بما رأو من قوته وأمانته، فحكى الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عنهما فقال : ( إن خير من إستأجرت القوي الأمين ) القصص26

فبحكم الولاية كل من تحقق بأسماء الحق في باطنه، كلما ظهرت على جوارحه محاسن الأخلاق ومكارم الشيم…والحق إذا أراد بعبد خيرا وطنه على لزوم أرض العبودية على بساط الإفتقار، لذلك كل من وصل من السالكين إلى لام العشق أو لام القبض وتجلت عليهم انواره و خلعت عليهم أسراره، إلا كان حالهم الإفتقار التام فلا يرى عليه إلا فضل الله تعالى، وليس له من الأمر شيئ، إذا تلبس بالطاعات كان فيها كالأجنبي، و إذا وردت عليه العطايا لم يغب بها عن شهود المعطي…فذلك هو الأدب وتلك هي الأرض الطيبة التي تنبت عليها الأخلاق الحسنة…وكما قيل لقد أقسمت حضرة القدوس أن لا يدخلها أصحاب النفوس الذين يرون لأنفسهم شأنا و قيمة فيتخلقون بأخلاق إبليس ( أنا خير منه ) فتلك هي المهلكة و القاصمة

فسيدنا موسى عليه السلام أظهر لبنات سيدنا شعيب عليه السلام ثلاث خصال : القوة حينما أزال الصخرة الكبيرة التي كانت على البئر، ثم الأمانة في أداء عمله على أكمل وجه أو الأمانة في كونه لم يلتفت إلى بنات شعيب عليه السلام وقد قيل : إنها لما قالت ذلك لأبيها ، استنكر أبوها ذلك من وصفها إياه فقال لها : وما علمك بذلك ؟ فقالت : أما قوته فما رأيت من علاجه ما عالج عند السقي على البئر ، وأما الأمانة فما رأيت من غض البصر عني…أما الخصلة الثالثة فهي الكرم والفتوة حيث لم يطلب أجرا على سقايته لهم وهو محتاج للطعام…لذلك عندما التقى سيدنا موسى عليه السلام بعد ذلك بسيدنا الخضر عليه السلام وطلب منه أخذ الأجر على بناء الجدار رفض سيدنا الخضر…ليذكره بما كان منه من سقي لبنات شعيب عليه السلام دون أن يتخذ عليه أجرا، فكأن الخضر عليه السلام قابل موسى عليه السلام بما فعل في ماضيه فخرق السفينة إشارة منه إلى التابوت الذي وضع فيه سيدنا موسى عليه السلام و قتل الغلام إشارة منه إلى قتل القبطي و بناء الجدار دون أجر إشارة إلى ما سبق ذكره…وكذلك الشيخ يعطي للسالك إشارات يتذكر بها ماضيه فالظلمة هي ماضي المريد بالإجمال فالنور يحذرك وينبهك حتى لا تنسى فيضيع منك الشكر

فالسالك ينبغي أن تكون لديه رؤية جمالية مصحوبة بتوبة نصوح، فمن لم يغب عنه ماضيه سهل عليه تقبل كل ما يصدر من الشيخ تجاهه، عكس الذي لا يرى ماضيه وغفلته السابقة ونسي أنه بفضل الله تعالى خرج من الظلمة إلى النور و من الغفلة إلى اليقظة، ومن كان هذا حاله تجده يستغرب من التصرفات التربوية للشيخ معه و تجده يطلب الزيادة قبل أوانه و يستقل الذي عنده، فهو لا يعلم أنه إنما يستقل فضل الله عليه من حيث لا يشعر فمن كان هكذا فهو في نقص وبعد دائم حتى يتوب، فإن تاب وجد كل ما يصدر من الشيخ تجاهه خيرا له سواء في عطائه أو منعهن في جماله أو جلاله، أما المريد الذي ينكر على شيخه فليعلم أنه إنما ينكر على نفسه فالشيخ مرآة المريد يرى فيها كل واحد حاله

وحتى لا يغتر المريد بما يشاهد وهو في باطنه منتقد للشيخ، عليه أن يعلم أن الشيخ المربي إما لك أو عليك فاحذر…واعلم أن النور إذا دخل القلب إما أن يكون لك، فتثبت على الطاعة وتجتنب المخالفة مع التلسيم والمحبة فستراه يكبر في كيانك حتى يغطي كلك ولا يبقى لك أثر ولا حركة إلا به وإما أن يكون عليك فيدخل قلبك فيجده متعلق بالغير ويجد جوارحك مقيمة في المعاصي و انت لا تتوب وتزيد على ذلك بالإنكار والإنتقاد لما ليس لك به علم – فعلم الشيخ ومغزى تصرفاته معك تجهلها فكيف تنتقد ما تجهل و أنت لا تدر الحكمة في كل فعل – فإن النور عندئذ سيمكث في قلبك سنة كاملة دورة فلكية كاملة ثم يرجع من حيث جاء…نعم سيرجع إلى قلب شيخك لانك لم تعطيه حقه ولم تقدره قدره و المصيبة أنه إذا خرج من قلب أحد فلا يعود له

و إعلم أننا نقبل كل من أتى إلينا يريد الحق، سواء كان كاذبا أو صادقا، فندعوا للكاذب أن يحققه الله بالصدق حتى ينتفع ونتحايل عليه حتى يرجع إلى الله، و إلا كان من الهالكين، و ندعوا للصادق ان يثبته الله على صدقه ونسلك به في عوالم النور…فالنور إذا لم يجد المحل صالحا ارتحل فنظفوا قلوبكم بالنية الصالحة في إرادة وجه الله تعالى لا غير…حتى إذا دخل النور فيه محق السوى من مشهده

ولنعد إلى ما كنا بصدده فنقول : إن إجتماع سيدنا موسى مع الخضر عليه السلام فيه من الفوائد واللطائف والحقائق ما ينفع كل سالك مريد لوجه الله تعالى، فهي ليست قصة هكذا نقرأها فنمر عليها دون تدبر لذلك قال صلى الله عليه وسلم  رحمة الله علينا وعلى موسى لو صبر على صاحبه لرأى العجب ولكنه قال: ” فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا  فكان صلى الله عليه وسلم يعلم العجب الذي كان سيكشفه الخضر لسيدنا موسى عليهما السلام و إنما تمنى صبر سيدنا موسى عليه السلام لحرصه صلى الله عليه وسلم على نفع العباد، ثم نعلم من الحديث أن سيدنا موسى عليه السلام هو الذي توقف عن صحبة الخضر عليه السلام بقوله فلا تصاحبني و الأنبياء عليهم السلام إذا قالوا شيئا إلتزموا به

ونختم هذه المذاكرة بذكر مشاهدة تنزلت في قلب أحد الفقراء، فالشيخ عندما يتكلم في علم من العلوم أو حضرة من الحضرات إلا و تنزل المدد في قلوب تلامذته من معاني ورقائق وحقائق ما تكلم به لذلك هذه الحضرات يشاهد معانيها أهل الإستعداد منكم ويتلقاها من حضرة الشيخ…وهذه المشاهدة تنزلت في قلب أحمد الهبري حفظه الله، وذلك أنه شاهد سيدنا يوسف عليه السلام فقال له : إذهب لركب موسى عليه السلام لا تذهب معي ،فلما ذهب إلى ركب موسى عليه السلام خرج من قلبه الشريف نورا وتوجه إلى قلب الهبري فبدأ يطوف فيه ويكبر حتى غطاه كليا، ثم لم يعد يبصر سيدنا موسى عليه السلام و كأن ذلك النور أبعده فتذكر ما قال له سيدنا يوسف عليه السلام فرجع لركب موسى عليه السلام لكن من ورائه وليس من امامه فتبعه.. إنتهى

فما دُمْنا في الحضرة الموسوية فهو رأى نبي الله موسى عليه السلام، ولو كنا في حضرة أخرى لنبي آخر لرأى ذلك النبي على نبينا وعليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام…فهو رأى سيدنا يوسف عليه السلام إشارة إلى مقام النبوة ورأى سيدنا موسى عليه السلام إشارة إلى مقام الرسالة ورأى نفسه بينهما يتردد فهي إشار إلى مقام الولاية…وخروج النور من قلب سيدنا موسى عليه السلام ودخوله في قلب الفقير إشارة إلى الإستمداد من معين الرسالة والنبوة و تغطية جسده بالنور حتى لم يعد يرى سيدنا موسى عليه السلام إشارة إلى معنى ما ذكره سيدي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه عن الحضرة المحمدية الجامعة : ( اللَّهُمَّ إِنَّهُ سِرُّكَ الْجَامِعُ الدَّالُ عَلَيْكَ، وَحِجَابُكَ الأعْظَمُ الْقَائِمُ لَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ ) ونلخص ما ذكرنا بهذا الرسم التوضيحي في قراءة الألف المقدر بحكم القراءة الهائية في مراتب الإسم الجامع من خلال الحضرة الموسوية

فالولاية تأخذ البرزخية في مقام الألف أما النبوة والرسالة فتقسم الألف نصفين كما هو واضح أعلاه لعظم شأنهما…و السالك إذا وصل إلى مقام برزخية الولاية في الألف المقدر ذوقا فإنه يأخذ علمه ذاك الإرث النبوي لأن العلماء بالله ورثة الأنبياء في الأقوال و الأفعال و الأحوال يأخذون على قدر إستعدادهم بتنزل رقائق نبوية من النبي أو الرسول إلى قلب الولي…فتتسع الولاية وتكبر في أخذها للعلم بهذا الشكل للتقريب فقط


فتكبر دائرة الولاية في تلقي العلوم حتى تعم الإسم كله حققنا الله وإياكم بمحبته ورضاه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تلسيما




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *