جديد الموقع

Search
||

فوائد المرقعة

فوائد المرقعة
للمرقعة فوائد جمّة دنيا وعقبى جمعها ابن البنا السرقسطي رضي الله عنه في المباحث الأصلية وشرحها سيدنا ابن عجبية قدس الله سره شرحا يشفي الغليل ، قال فيه رضي الله عنه
والقوم ما اختاروا المرقعات          إلا لأوصـــاف وسوف تأت                  

 أولــــــــــها فيها اطراح الكبر          ومنعها للبـــــرد  ثم  الحر                  
وخــــــفة  التكليف ثم  فيها           قلة طمع  الطامعين فيها                  

 وذلــة النفس وتطويل العمر          والــــصبر ثم الاقتدا  بعمر                 

 ألا تــــــرى لابسها  كالخاشع          فهي إذن اقرب  للتواضع                 

المرقعات: جمع مرقعة، وهي الثوب الملفق من رقاع كثيرة ملونة أو غير ملونة، كانت من صوف أو شعر أو جلد، وإنما اختارها القوم على ما سواها من الثياب لوجوه عشرة
أولها: طرح الكبر ونفيه والتخلق بضده، وهو التواضع، إلا إذا قصد بذلك من حيث أنها شعار الصالحين، فيحرم لباسها حينئذ، أو يقصد بذلك التظاهر على من لم يلبسها من الفقراء، أو يرى له مزية بها على غيره فينقلب الأمر حينئذ
ثانيها: أنها تدفع الحر من حيث تناسبها وبرودتها, لاجتماع أجزائها دون تخليل, وتدفع القر: أي البرد, لكثافتها
 وثالثها: خفة مؤنتها في تحصيلها, فإنها من الخرق الملقاة على المزابل, التي لا يضر إعطاؤها من طلبت منه, نعم: إن كان يختار لها الرقاع الرفيعة, قد خرجت عن حقيقتها, وزالت ثمرتها لأنها صارت حينئذ من رفيع الثياب, فهي وسائر اللباس سواء
ورابعها: قلة الطمع فيها للصوص السلابة وغيرهم, من حيث ذاتها, لا من حيث ما يحتوى عليها من الحرمة, فإذا جذبها الفقير إليه واختبروه لم يكن لهم إلمام: أي توصل بها, بل ردوها عليه واستغفروا من حقه, كما هو مشاهد معلوم, ولبسها للاحترام جائز قاله الشيخ زروق رضي الله عنه
وخامسها: ما في لبسها من دفع الشرور, باعتبار الاحترام لشبه لابسها, بأهل الخير, وذلك جائز في الدفع, لا في الجلب لقوله تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً وهذا داخل في قوله: (وقلة الطامعين فيها
وسادسها: ما فيها من ذلة النفس بين أبناء الجنس, وفي ذلك موتها, وفي موتها حياتها, وفي ذلك قال الششتري متكلما على لسان الحق
                 إن ترد وصلنا فموتك شرط     لا ينال الوصال من فيه فضلة                    

وفي ذل النفس أيضا: إسقاط المنزلة والجاه, وهو شرط في تحقيق مقام الإخلاص, وفيه أيضا حصول الخمول الذي هو راحة لأن صاحبه لا يعرف بالتقية, ولا يدري بالأمور العالية, بل إذا غاب لا ينتظر, وإذا حضر لا يستشار
وفي الحديث عنه : (رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه (أي لا يعبأ) به لو أقسم به على الله لأبره
وسابعها: ما فيها من رفع الهمة وقلة المبالاة بالخلق؛ فإن المعتقد لا يزيده اعتقاد الناس إلا شرا, والغالب على صاحبها عدم المبالاة بالخلق, قد استوى عنده المعتقد والمنتقد
قال بعض المشايخ لبعض الشباب: إياكم وهذه المرقعات, فأنكم تكرمون لأجلها, فقال الشاب: إنما نكرم بها من أجل الله, قال: نعم, قال: حبذا من نكرم من أجله
وثامنها: ما قيل فيها من طول العمر, ومحمل ذلك على البركة فيه, بحيث يدرك في يسير منه ما لا يدرك غيره في سنين متطاولة كما قال ابن عطاء رضي الله عنه: (من بورك  له في عمره أدرك في يسير من الزمان ما لا يدخل تحت دوائر العبارة, ولا تلحقه الإشارة) وعبادة العارفين كلها متضاعفة بأضعاف كثيرة
وقال أيضا في حكمه: (ما قل عمل برز من قلب زاهد, ولا كثر عمل برز من قلب راغب
وقيل: إن ذلك يكون حقيقة, وهو من باب الخاصية, وإن من لبسها دل على طول عمره, والله تعالى أعلم
وتاسعها: مقاساة الصبر وتجرع مخالفة النفس, وفي ذلك من الفضل ما لا يجهل, قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ  وقال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ وقال سبحانه  إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
وقال: بعض الصحابة رضوان الله عليهم, الصبر من الدين كالرأس من الجسد, والصبر مطية الإمامة والاقتداء، قال تعالى:وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ،وفيها أيضا الوقاية من ارتكاب الكبائر المشهورة, إذ يعاقب على صاحبها, ولا يمكن منها بحال, فهي عصمة من عظام الكبائر, والصبر عليها كأنه صبر عن القبائح كلها
وعاشرها: الاقتداء بأمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد قال عليه الصلاة والسلام: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر
فالاقتداء بهما امتثال لأمره عليه الصلاة والسلام, وفيها جمع الخاطر الذي لبسها لأجله عمر رضي الله عنه, فإنه كانت له مرقعة: بين كتفيه ثلاث عشرة رقعة, إحداهما من جلد, فلما طرحها يوم فتح بيت المقدس بإشارة المسلمين ولبس غيرها, قال: أنكرت نفسي, وعاد إليها؛ ولبس عمر رضي الله عنه المرقعة كان اختيارا منه وتواضعا, وليس ذلك ضرورة, فقد كانت له أموال خاصة به, قبل الخلافة وبعدها, وبالله التوفيق

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *