جديد الموقع

Search
||

كأنك تراه

كأنك تراه
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد ، سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم
، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : يا محمد ، أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي
الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ” ، قال : صدقت ، قال : فعجبنا له يسأله ، ويصدقه ، قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : ” أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره
وشره ” ، قال : صدقت ، قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : ” أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك ” ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال : فأخبرني عن أمارتها
قال : ” أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان ” ، قال : ثم انطلق فلبثت مليا ، ثم قال لي : يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم
دينكم.صحيح مسلم  كِتَاب الإِيمَانِ  بَاب بَيَانِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ … رقم الحديث: 12
لما أراد الحق أن يُعرف ويظهر من كنزيته بكنزيته قبض قبضة من نوره الأزلي وخلق من تلك القبضة العرش و الكرسي والأفلاك والأملاك و اقتضت الحكمة ستر أنوارها برداء الصون وحجاب العزة، فبرزت عين الجمع الوحدانية في عين الأكوان الفانية
فظهرت المراتب والأحكام والاعتبارات و التَّعَيُّنَات وبقي سبحانه كما كان أحدا فردا صمدا
فبانت الجهات و الأماكن و الكائنات قائمة بأنوار الصفات مطموسة بأحدية الذات، و في الحديث القدسي: “كنت كنزا لا أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا، فعرفتهم بي فعرفوني.”هذا الحديث إن كان ضعيفا من طريق الإسناد فهو متواتر من
طريق الكشف عن الأقطاب قدس الله أسرارهم
فبطن باسمه وظهر بذاته فسرى في كل شيء كما سرى الواحد في الأعداد فظهر في الواحدية باسمه وذاته وبطن في الإثنينية باسمه وبقي بذاته فما الإثنان إلا واحد و واحد وهكذا في سائر مراتب الأعداد
وقيل
فما الكون في التمثال إلا كدحية
تصور روحي فيه شكل مخادع

وقيل أيضا
فلم يبق إلا الحق لم يبق كائن       فما ثم موصول وما ثم بائن 
بذا جاء برهان العيان فـــما رأى       بعيني شيئاً غيره إذ أعاين
قال رجل للجنيد رضي الله عنه:”يا أبا القاسم هل رأيتم ربكم حين عبدتموه أم اعتقدتم الوصول إليه بقلوبكم؟ فقال الجنيد رضي الله عنه:أيها السائل ما كنا لنعبد ربا لا نراه و ما كنا بالذي تراه أعيننا فنشبهه و ما كنا بالذي نجهله فلا ننزهه فقال
له الرجل:فكيف رأيتموه؟ فقال له :الكيفية معلومة في حق البشر، مجهولة في حق الرب، لن تراه الأبصار في هذه الدار بمشاهدة العيان ، ولكن تعرفه القلوب بحقائق الأيمان ثم تترقى من المعرفة إلى الرؤية بمشاهدة نور الامتنان فهو سبحانه مرئي
بالحقائق القدسية ، منزه عن الصفات الحدثية، مقدس بجماله، منعوت بكماله، متفضل عن القلوب بمواهبه ونواله، معروف بعدله منعوت بفضله
فلما سمع الرجل مقالة الجنيد قام وقبل يده وتاب ولازمه حتى ظهر عليه الخير ولزم صحبته حتى مات رحمة الله عليهما.”إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عجيبة ص 620/621
فاحتجب سبحانه في ظهوره وظهر في بطونه وما منع الأبصار من رؤيته إلا رداء العزة والكبرياء وما نُظِرَتِ الأواني حتى نشر عليها حجب اللطف والحكمة وإلا فهي ناطقة بسكونها في سكونها مشيرة إلى خالقها دالة على بارئها ولكن لا من يفقه
تسبيحها، و في الحكم “دَلَّ بِوُجودِ آثارِهِ عَلى وُجودِ أسْمائِهِ وبِوجودِ أسْمائِهِ عَلى ثُبوتِ أوصْافِهِ، وَبِثُبوتِِ أوْصافِهِ عَلى وُجودِ ذاتِهِ إذْ مُحالٌ أنْ يَقومَ الوَصْفُ بِنَفْسِه
فالكل قائم به ظاهر بذاته صادر عن صفاته منعدم في وجوده فان في بقائه، وما تلك التنوعات لمظاهر الأكوان إلا مظاهر لمقتضيات الأسماء ولئن تنوع الزهر فالماء واحد قال تعالى :وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ
وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
وقد مَثَّلَ أهل الله الكون كالثلجة ظاهرها صلب وباطنها سائل فمن نظر من غير تفكر بدا له الاختلاف و من أمعن التفكر عرف أن الماء هو عين الثلجة وأن الثليجة ما هي إلا مظهر للماء
وقيل في المعنى
وما الكون في  التمثال إلا  كثلجة      وأنــــــت لها الماء الذي هو نابــع
فما الثلج في تحقيقنا غير مـــائه     غير أنه في حكم  دعته الشرائـع
و لكن بذوب الماء يرفع  حكـــمـه      ويـــوضع حكم الماء والأمـر واقع
وفي الحكم:”ما حَجَبكَ عَنْ اللهِ وُجودُ مَوجودٍ مَعَهُ إذْ لا شَيْءَ مَعَهُ، وَلَكِن حَجَبَكَ عَنْهُ تَوَهُّمُ مَوجودٍ مَعَه
فما حجبك عن الله إلا توهم الغيرية والنظر إلى قوالب المظاهر الكونية و لو انتبهت إلى صفات الربوبية و عزة الألوهية لعلمت أنه حيثما توليت، قال تعالى :وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
قال سيدي ابن عجيبة رضي الله عنه
“اعلم أن الأماكن والجهات، وكل ما ظهر من الكائنات، قائمة بأنوار الصفات، ممحوة بأحدية الذات، ” كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان “، إذ لا وجود لشيء مع الله، ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) ، محق الآثار بأفلاك الأنوار
وانمحت الأنوار بأحدية الأسرار، وانفرد بالوجود الواحد القهار
 وقال صاحب العينية
تَجلَّـــى حبيبي في مَرَائي جَمَالِهِ       ففي كلِّ مرئي للحبيبِ طلائعُ
فلــــما تَبدَّى حُسْنه مُـــــتَنوعــا      تســــمَّى بأسْماءٍ فهُنَّ مَطالــِعُ
قال بعض السلف: دخلت ديراً وقت الصلاة، فقلت لبعض النصارى: دُلني على بقعة طاهرة أصلي فيها، فقال لي: طهر قلبك عما سواه، وقف حيث شئت، قال: فخَجِلت منه
ويحكى عن أبي يزيد رضي الله عنه أنه كان يصلي إلى جهة شاء، ويتلو هذه الآية، فالوجه عند أهل التحقيق هو عين الذات، يعني أسرار الذات وأنوار الصفات. قال تعالى( كل شيء هالك إلا وجهه ) أي: كل شيء فانٍ ومستهلك في
الحال والاستقبال إلا ذاته المقدسة، وأنشدوا
فالعارِفُون فَنَوْا بأَن لَمْ يَشْهَدُوا     شيئاً سِوَى المتكبر المتَعالِـي
ورَأوْا سواهُ على الحقيقةِ هالكاً     في الحالِ والماضِي والاستقْبالِ”إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عجيبة ص 460
العارفون بالله فنوا عن أنفسهم وبقوا بربهم لذلك لا يشهدون إلا الحق فالغير عندهم ممنوع
وقيل في ذلك
مُذْ عرَفتُ الإلهَ لم أرَ غـــــــيراً       وكذا الغيرُ عِنْدنَا مَمْنُوعُ
مُذْ تجمعتُ ما خَشِيتُ افتِراقاً       فأنا اليومَ واصلٌ مجمُوعُ
فالنظر لغير الحق من نواقض الوضوء لانتقاض عقدة الفناء في صفاته والإعتماد على مظاهر الكون عندهم جنابة لأنها أكبر الكبائر فهم رضي الله عنهم توضؤوا بماء الغيب النازل من بحار الجبروت إلى رياض الملكوت ففنوا عن أفعالهم وأوصافهم
وقدرتهم، واغتسلوا من فنائهم فانسلخوا عن السوى بالكلية فهم رضي الله عنهم في صلاة دائمة مُذ سجدوا في حضرة القدوسية ما رفعوا رؤوسهم
وقال الشيخ مولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه لأبي الحسن رضي الله عنه:” يا أبا الحسن حدد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء وعند كل شيء ومع كل شيء وقبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء وتحت كل شيء وقريباً من
كل شيء ومحيطاً بكل شيء بقرب هو وصفه وبحيطة هي نعته وعد عن الظرفية والحدود وعن الأماكن والجهات وعن الصحبة والقرب بالمسافات وعن الدور بالمخلوقات وأمحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن وهو هو هو كان الله ولا شيء
معه وهو الآن على ما عليه كان.”إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عجيبة ص68
فلو ظهرت عزة المنان لتلاشت جميع الأكوان، لذلك كانت الأفعال مرائي الأسماء والأسماء مرائي الصفات والصفات مرأى الذات فبدا سبحانه ظاهرا في بطونه بسريان أنواره في كثائف المُحْدَثَات فلو احتجب عن العالم طرفة عين لانعدم العالم من حينه
قال سيدي عبد السلام بن مشيش قدس الله سره
هو ( الله ) ظاهر في بطونه ، باطن  في ظهوره . فاسمه الظاهر يمحو ظهور السوى ويبطنه ، إذ لا ظاهر معه سبحانه وتعالى  واسمه الباطن يقتضي ظهور تجلياته ، ليكون باطناً بالنسبة إلى حسها الظاهر ، فلو بقي على ما كان عليه من
البطون ، ما عرف ولا عبد … هو الظاهر، هو الباطن دون غيره، فكل ما ظهر فهو هو، وكل ما بطن فهو هو
أو تقول: هو ظاهر كل ما بطن، وباطن كل ما ظهر من الألوهية، إذ لا شيء معه
أو تقول : هو الظاهر من جهة التعريف ، والباطن من جهة التكييف ، إذ كنه الربوبية لا يكيف، أو تقول: ظاهر بحكمته باطن بقدرته أي سبب حكمته، فقد أظهر الحكمة وأبطن القدرة.الشيخ ابن عجيبة  شرح تصلية القطب ابن مشيش  ص 51  
وقيل في المعنى
فلم يبق إلا الحق لم يبق كـائن         فما ثم موصول وما ثم بـائن
بـــذا جاء برهان العيان فما رأى          بعيني شيئاً غـيره إذ أعـاين
وقيل أيضا
وكل الورى طرا مظاهر طلعـتي      مراء بها من حسن وجهي لامـع
 ظــــــهرت بأوصاف البرية كلـهـا       أجل لي ذوات الكل نوري ساطع




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *