جديد الموقع

Search
||

مقام الولاية : أنت….مرآة نفسك

بسم الله الرحمن الرحيم
مجالس الشيخ المربي المحقق سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله تعالى عنه
مجلس الجمعة : رجب 1436هـ الموافق ل 8 ماي 2015م
حضـــرة الخلــود المجلس الثامن
مــــقام الـــولايــــــة : أنـــــت….مرآة نفسك

قال تعالى : ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ) الأنعام 104…فالبصائر في حكم الظاهر هي الحجج و الأدلة و البينات الناتجة عن دقة الإبصار أما في الباطن فهي البصيرة النافذة التي تخترق حجب العقل…فالبصيرة ترى المعاني والبصر يرى الأواني ، والبصيرة يفتحها الحق تعالى لمن أحب من عباده، وعلامتها سطوع الأنوار في مشهد القلب حتى يغطي سائر الجوارح والجهات، فتتلاشى عنده الحدود والقيود، فيصير عبدا خالصا لله تعالى، فمن أبصر ذلك فهو على هداية بينه وبين نفسه ومن عمي فعليها
ويبدأ العبد أول قدمه في طريق تلقي البصائر، و إزالة ظلمة الكائنات من قلبه، عندما تظهر له البوارق واللوامع على حد لمحة حتى يصبح راسخا في شهودها فهذا الشعاع الأول للبصيرة يشهدك قرب الحق منك فليتأدب المريد حال ظهوره له لأنه آنذاك في حضرة الكريم…فإذا ترقى العبد إلى عين البصيرة التي تشهدك عدمك ووجوده وذوقها أن يفنى عندك الجسم الظلماني وتبقى بالنور الرباني…ثم يرتقي العبد من هذا المشهد الى مشهد حق البصيرة الذي يعلم فيه معنى لا انعدام ولا وجود فمن قلب هذا المورد اجتمعت الأضداد وعُرف الوصل والفصل وعُرفت حقيقة كان الله ولا شيء معه…فإذا تمكن شربه من هذا البحر الزاخر اعتلى بعد ذلك منصة عين البصيرة وهو مقام يشهدك وجود الحق في حضرة لا انعدام فيها ولا وجود فيصبح العارف لا يرى في مرآة قلبه إلا الحق فيكون له توجه نحو الربوبية من حيث روحانيته المطلقة بأحكام القدرة وتوجه نحو بشريته المقيدة بأحكام الحكمة والقائمة بسر القيومية…وفي هذا المشهد يتلاشى القرب والبعد لأن المرآتين الروحية و البشرية هما معا للنفس البرزخية التي جمعت القوس الظاهري و القوس الباطني ولا يكون هذا إلا للعارف المتمكن وليس للمبتدئ
ولقد قال تعالى : ( سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ) الأنعام الآية 139…فانت أنت كيفما قابلت الأشياء – ومن ذلك المشاهد و المقامات – تقابلك فالحق تعالى يجازي عبده جزاء موافقًا لوصفه، فإن كان وصفه التعظيم لكل شيء عظمه الله، ومن كان وصفه التصغير صغره الله، ومن كان وصفه الإحسان أحسن الله إليه، ومن كان وصفه الإساءة أساء الله إليه، ومن كان وصفه الفرق فرقه الله، ومن كان وصفه الجمع جمعه الله، وهكذا: أنت بما قد سقيت شارب…وعندما تنكشف الحقائق ستعلم ما دونه قلمك في كتابك، فاجعل لك مداد نوراني علوي، واجتنب المداد السفلي الظلماني، واكتب في لوح نفسك ما تشاء بما تشاء فسيف قوله تعالى : ( وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) النحل الآية 118…حاكم عليك فأنت الذي تظلم نفسك بنفسك اذا جهلت حقيقتها، فمن رأى وصفه لم يُظلم أبدا، فأنت الحاكم عليك بك لك في مرآة ذاتك، فأحكام صورتك تعود عليك، فأنت اليوم تصنع قصورا في الجنان، أو أودية في النيران، فلم يظلمك أحد

وسر المسألة أنك الخليفة و المقصود من الخليقة فلو فتحت عين قلبك على كتاب نفسك لقرأت معنى قوله تعالى :وفي أنفسكم أفلا تبصرون الذاريات الآية 21.. ولظفرت على مفتاح كنز ” من عرف نفسه عرف ربه ” فالنفس مرآة الصفات الحقية، ولا أحد يعرف نفسه، إلا إذا تذلل لمن يعلمه كيفية العودة للنفخة الأصلية، ويمحي عنه ظل وجوده من مرآة قلبه، عندئذ تنكشف له الأنوار، وترسخ قدمه في بحر الأسرار، فتعود نفسه كاملة ومتمكنة، حيث تكون مرآة صافية قابلة لتجلي صفات الحق لها على التمام والكمال، فيعرف نفسه أنه مرآة ويعرف الحق بتجليه فيها كما قال تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) فصلت الآية 53…فجاء الحديث القدسي ليؤكد المعنى على لسان الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( يا عبادي إنما هي أعمالكم : أحصيها لكم ) فإحصاؤها ظهورها بصورها المتجلية ( ثم أوفيكم إياها ) عند الكشف عن تلك الصور فهاهنا تعمل وتنسى وهناك تراها ( فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) رواه مسلم، فمن وجد الخير حمد الله تعالى لشهوده تجلي المنعم عليه ومن وجد غير ذلك من الصور القبيحة فلا يلم إلا نفسه، وبهذا الحديث يثبت حديث “من عرف نفسه عرف ربه ” فمن عرف ربه فلا يرى إلا الله تعالى، فكل شيء دونه خيال وعرضي زائل، ولا يرى شرا أبدا بحكم ( الخير كله في يديك والشر ليس إليك ) رواه مسلم، فهذا كله راجع للمُشاهد الذي يشاهد فأصحاب الشهود يبدل الله سيئاتهم حسنات ف” الله جميل يحب الجمال ” فالعارف لا يرى إلا الجمال فكان أجره غير مقطوع كما قال تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) التين الآية 6 ، وله كل شيء بالاستحقاق لأنه لا يرى إلا وصفه، فكن جميلا ترى الوجود جميلا، وسبيلك نحو ذلك هو التخلق بحيث تأخذ من الكريم جل جلاله المطلق في كرمه خُلق الكرم في كنهه المقيد الذي يليق بالعبودية وهكذا حتى تتزكى اخلاقك وتسموا أنفاسك وتعتدل طباعك

فجمال الروح الأمرية لا يُعرف إلا في الصفاء، لذلك كان لام القبض هو المجلى الذي يقبض روحك ويقسم جسمك الفاني نصفين حتى تنال حقيقة المعرفة، ففي الهاء بكنه الرحمة ترى النور، أما في لام القبض فلا يعرفه إلا من سكن في الملكوت ومنه ينظر إلى الملك فيشهد كل يوم حقيقة لمن الملك اليوم




One thought on “مقام الولاية : أنت….مرآة نفسك

  1. امال بشير

    الهي هذا ذلي ظاهر بين يديك وهذا حالي لا يخفى عليك منك اطلب الوصول إليك وبك استدل عليك كلام بليغ ياشيخ محمد فوزي الكركري قدس الله سرك وأطال عمرك ونفعنا بعلمك ادعيلي ياشيخ الله يفتح علي فتوح العارفين بارك الله فيك والبسك الصحه والعافيه امين يارب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *