جديد الموقع

Search
||

مقام الولاية : كنت سمعه الذي يسمع به

بسم الله الرحمن الرحيم
مجالس الشيخ المربي سيدي محمد فوزي الكركري  رضي الله عنه
مجلس الجمعة : 20 جمادى الثانية 1436هـ الموافق ل 10 أبريل 2015 م
حضرة  الخلود
مقام الولاية : كنت سمعه الذي يسمع به
المجلس الرابع

 
اعلم رد الله فرعك لأصلك أننا في المجلس السابق كنا قد تكلمنا عن منزلة البصر بكنه الحديث القدسي كنت بصره الذي يبصر به وسنتكلم في هذا المجلس عن منزلة السمع في حكم العبد الكامل الذي استوت روحانيته على جسمانيته فنقول : أن السمع له ثلاث درجات ملكية وله تقسيمات أخرى على مستوى الملكوت والجبروت
فأول درجة هي الإحساس بالصوت مع عدم الفهم فيسمع صوتا ما ولا يعقل معناه يقول سبحانه وتعالى في سورة البقرة : ( صم بكم عمي فهم لا يفقهون ) الاية 18…فمثل الله تعالى الكفار بالبهائم يسمعون ولا يفقهون ما يسمعون ، فالراعي في رعيه للأغنام حينما يأمرها بالذهاب فتذهب وعندما يامرها بالرجوع فترجع وهي لا تفقه شيئ فقط تتحرك بحكم العادة…فكذلك الكفر هو جحود الحق و إعراض عن الدليل خلافا للضال الذي أخطأ طريق الحق بجهله أما الكافر يعرف الحق  ويعرض عنه…فهذه المرتبة السمعية تشمل الكافر والبهائم
أما الدرجة الثانية في السمع فهي الإحساس بالصوت مع الفهم قال تعالى : ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) البقرة الاية 75…فهؤلاء يسمعون الأحكام و يفهمونها ثم يغيرونها وقد نزلت الأية في السبعين الذين كانوا مع سيدنا موسى عليه السلام حيث غيروا وحرفوا ما أمرهم به
أما الدرجة الثالثة فهي الإحساس بالصوت مع الفهم و الإتباع قال تعالى : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ) الأنفال الأية 2…فهم لما سمعوا كلام الله تعالى خشعت قلوبهم وزاد إيمانهم وترقوا فيه و بذكرهم لله تعالى وجبت لهم خشية الله تعالى وعلامتها الإبتعاد عن الذنوب فهم يلقون السمع ويحضرون قلبهم لتدبر ما يسمعون لأن التدبر عمل القلب فيتوكلون على الله تعالى لأنهم قد سكن الحق تعالى قلوبهم بحيث أصبح قلب أهل الإيمان عرش إسم الجلالة الله لذا كان التوكل أعلى مقامات السلوك لأنه ناشئ عن حقيقة التوحيد…والتوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب إنما هو عمل قلبي
والقرآن الكريم فرق بين السمع و الإستماع و الإصغاء والإنصات فتحدث عن السمع العفوي الذي يكون بغير قصد كأن تكون في السوق أو مجلس ما و تسمع الباطل واللغو فهنا يكون لك الإختيار في الجلوس أو الإعراض وعن هذه الحالة قال تعالى : ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) القصص الاية 55
أما الإستماع فيكون فعلا مقصودا لإستراق السمع وتمييزه قال تعالى : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) الأحقاف الأية 29…وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : ” ولما بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – حرست السماء ، فقال الشيطان : ما حرست إلا لأمر قد حدث في الأرض فبعث سراياه في الأرض ، فوجدوا النبي – صلى الله عليه وسلم – قائما يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنخلة ، وهو يقرأ . فاستمعوا حتى إذا فرغ ( ولوا إلى قومهم منذرين ) “...فدل على ان الإستماع يكون بقصد من صاحبه
أما الإصغاء فهو مرحلة في السمع يجتمع فيها التركيز مع تفاعل القلب و المشاعر قال تعالى : ( وإن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) التحريم الأية 4…فالإصغاء لا يأتي بعده إلا تطبيق ما يقال أما انك تسمع ولا تبالي ولا تنهض للعمل فاعلم أن قلبك محجوب عن ما سمعت فلو دخله نور الكلام لنهضت الجوارح للخدمة
أما الإنصات فهو أعلى مرتبة تكون للسمع وهي مرتبة تستجلب الرحمات قال تعالى : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) الاعراف الأية 204…فالإنصات هو الإستماع مع القدرة على قراءة ما خلف الكلمات و الحروف من المعاني و الحكم و الأسرار…وكذلك الحال بالنسبة للذاكر عليه أن تكتمل فيه دائرة الإنصات حتى تتنزل عليه الرحمات الإلهية وذلك بأن يذكر بلسانه ويفهم ما يقول ثم يتلقاها منه سمعه حتى تدخل إلى القلب وهكذا يكرر ذكره وهو ينتقل بين لسانه وسمعه وقلبه

 والحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز فضل حاسة السمع على حاسة البصر لكونها الحاسة التي لا تتوقف عن العمل ولا تنام بعكس حاسة البصر قال تعالى : ( فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ) الكهف الاية 11…فالضرب هو التعطيل و المنع بحيث كان تعطيل الحق لسمعهم يمنعهم من سماع ما حولهم حتى يناموا تلك المدة التي قدرها الله لهم وفيه دلالة على عدم نوم حاسة الأذن في المعتاد…فحاسة السمع إذا عظيمة عند الله تعالى ولقد جعل سبحانه وتعالى لدائرة السمع نوامس فإن ارتفع الصوت عن طاقة الأذن يفقد الإنسان حاسة السمع ويؤثر على سائر الجسم قال تعالى : ( ان كانت الا صيحة واحدة فاذا هم خامدون ) يس الاية 29…ولقد قدم الله تعالى حاسة السمع في جل الأيات و الأثار لأنه اول عضو يؤدي وظيفته في الدنيا فالجنين في الشهر الخامس يبدأ في سماع دقات قلب أمه وعند الولادة تكون حاسة السمع عنده كاملة لذلك في السنة جاء استحباب الآذان و الإقامة في أذنيه أما بصره فلا يكتمل حتى يبلغ 7 شهور كأن البصر لا يكتمل حتى ينهي الفقير سبع قراءات من مراتب الإسم
والإنسان عند التخدير أو عند قلة الأوكسجين يفقد البصر قبل السمع فبهذه الفضائل اكتملت دائرة السمع فصارت تأخذ 360 درجة كاملة أي يمكن أن يستمع من جميع الجهات بعكس البصر الذي يأخذ فقط 145 أو 180 درجة في النطاق الملكي اما في النطاق الملكوتي فدائرة البصر مكتملة أيضا وإليك هذا الرسم التوضيحي


 
فهذا الرسم التوضيحي يبين الفرق بين الرؤية البصرية التي تأتي من الخارج على شكل ضوء فيقرؤها المخ ولك القدرة فقط على رؤية 145 درجة من كل زاوية اما الرؤية بالبصيرة حيث يأتي النور من باطن الهاء من حيث الألف المقدر ويستقر في قلبك لأن سر الإسم يقرأ في حضرة القلب وتكون بدايته رؤية الإشارة فيدخل الهاء فيعطي لك الإتساع مثل الرؤية البصرية الظاهرية لذلك المريد رغم أنه في ملكوت الحق تجده يحدد الجهات مع أن هناك فقط جهتين لأنك حتى في الألف المقدر في مركزه الهائي يُكتب لك لا (X ) حيث تتعلم الفناء بلا النفي حين تنتفي الأشياء من مشهد قلبك ولا يبقى لك إلا الحق مشهودا…وأنت عند رؤية النور تعود به من الملكوت إلى الملك فتصبح أنت المركز ترى النور من ست جهات أما في الجبروت فهناك جهة واحدة
وإذا كنت سائر بحكم اهدنا الصراط المستقيم حيث خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا في الرمل يعني إذا كان لك نور استنبطته و اتحد مع نور بصرك وأصبحت على الصراط بحكم اتباع الشرع الشريف ظاهرا وباطنا فهناك تصبح لك جهتين بحيث الخط المستقيم الوهمي يقسم الدائرة الهائية نصفين فترى من الجهة الشجرة العلوية 180 درجة ومن الجهة الظل علوية 180 درجة فتكون لك دائرة بصرك في الباطن كاملة وفي الظاهر ناقصة فتنتفي لك الصور بحكم علو همتك عن الدارين.
             أما دائرة السمع فهي مكتملة في الظاهر والباطن على حد سواء بحيث تسمع من كل الجهات لذلك لها 360 درجة كاملة وإليك هذا الرسم التوضيحي يبين لك نقطة السمع وشكله من جهة الظاهر والباطن

 
فالسمع من جهة الباطن يتقوى لدى المريد عندما يتصل نور القلب بالسمع كما قال صلـى الله عليـه وسلم في دعاء الذهاب إلى المسجد كما في الصحيحين : اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا…الخ فعندما تصل الى هذه الحالة بحكم الإتباع والعمل فعندئذ يشع سمعك بنور كنت سمعه الذي يسمع به فتسمع الهواتف والأسرار وتسابيح المخلوقات…وتسمع ذلك بكنه أذنك الظاهرية لكون كلمك سر قلبي بنور صافي ثم تنزل إلى أذنك فسمعت الهاتف…فعندما تسمعه من الداخل تتيقن انه جاءك من القلب ففقد سمعته من جهة واحدة أما إذا سمعته من الخارج وتيقنت من ذلك ولكنك لم تعرف من أين سمعته فتكون سمعته من جهتين عندئذ ثم تتسع دائرة سمعك حتى تصل إلى مرتبة عليا وذلك بأن تنزل الجهتين العلويتين الى الملك فتصبح تقذف بنور ايمانك في الأشياء فتسمع تسبيحها بالضبط كما كنت تفعل في حكم البصر
واعلم أنه لا ينفتح لك باب السمع الباطني حتى تكون في ظاهرك تسمع لكلام مرشدك فتتبعه اما الذي يسمع ويعرض عنه فلا ينفتح له سمع باطنه…وهناك الكثير من الشواهد على صحة هذا المشرب من السيرة النبوية فجاء في الصحيح أن سيدنا أبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا كانوا يسمعون تسابيح الطعام في كفه الشريف صلـى الله عليـه وسلم وجاء في الصحيح أيضا أن سيدنا عمران بن حصين رضي الله عنه كان يسمع سلام الملائكة وغير هذا كثير جدا




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *