جديد الموقع

Search
||

نفس الرحمن سر المحبة

بسم الله الرحمن الرحيم

إعلم أيدك الله بروح قدسه أن صور الممكنات كلها كانت ظاهرة في الأزل بحكم الأعيان الثابتة ثم أظهرها الحق في عالم الإمكان بمقتضى تجليات أسمائه وصفاته التي طلبت ظهور مقتضياتها فألبستها كسوة الوجود وهي في حكم العدم….وذلك حتى تكمل مراتب الوجود و أن الكون كان ظاهرا في الأزل بإسمه الجامع وظهر في الأين بالأسماء والصفات…فالأسماء تنفست فأظهرت أحكامها بكنه المحبة، فالحق نظر إلى السكون نظرة محبة فتحرك ، فالحركة إذا محبة تكثرت و تنوعت كما قيل

الماء واحد والزهر ألوان

لذلك ما من صورة في الكون إلا في روابط محبة فيما بينها… لذا جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله : ( المؤمن مرأة أخيه ) فكل صورة تحب أختها بحكم السريان الحبي في الكل…كما قال شيخ مشايخنا سيدي أحمد العلوي رضي الله عنه

فلا مظهر في الكون إلا وسره

معشوق لغيره ولو حبة الرملا

لكن لا يبصر هذه المشاهد إلا من قلبه ملئ من نور الحق جل وعلا…ولما كانت الأسماء لا زالت في تنفسها ، كانت الحركة دائمة و المحبة سارية والمظاهر الكونية بين محو و إثبات…ولقد أشارصلى الله عليه وسلم إلى هذا التنفس الأسمائي بقوله في الحدث الصحيح : ( إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ) فكان الأنصار هم نفس الرحمن، فكأنما تنفس إسم الرحمن بكنه هذه الأجناس، ومعنى تنفس أي أخرج وأظهر ما عنده، فَنَفَّسَ الحق بهم الكرب والضيق عن المهاجرين رضي الله عنهم جميعا…فكأن أنفاس الأنصار كانت متعلقة بالإسم الرحمن فكانوا مظهر الرحموت

فالقلوب عندما يسكنها إسم من أسماء الحق تسري نورانيته في الجسم كله فإذا تنفس فبه…لذلك كانت أنفاس الخلائق لها شأن عظيم لذا قال سيدنا علي رضي الله عنه 

 العارف إذا تكلم عرفناه من حينه  أي إذا تنفس و خرجت هذه الحرارة النَّفَسِيَة والدوائر الهوائية عرفناه من حينه بحكم نفسه هل هو رحماني أم غير ذلك وهل هو علوي أم سفلي

 وإذا سكت عرفناه من يومه بحكم رؤية فعله الظاهر لأن الظواهر تخبر عما في البواطن

فالعارف بالله لما صفت سريرته، أصبح قلبه مرآة لتجيات أسماء الحق…فتخرج أنفاسه طاهرة روحانية علوية ومن هنا تعلم سر قوله صلى الله عليه وسلم في أصحابه الكرام رضي الله عنهم : ” أصحابي كالنجـــوم بأيهم اقتديتم اهتديتم”…فهم لما إنعكست فيهم الشمس المحمدية أصبحت قلوبهم نجوما، فتعطرت جوارحهم بأنوار المتابعة و تطهرت أنفاسهم لأنها تخرج من أصل شجرة النور الأصلية…فالنور المصطفوي يطهر القلوب الحيوانية فتنبعث منها حرارة الروح المنفوخ فتبدي من العلوم الأدمية والأسرار المصطفوية ما يُحير كل ذي لب…فهؤلاء هم أصحاب النفس النجمي، ألم ترى أن سيدنا أدم تعلم الأسماء كلها بالنفخة الروحية فلما تنفس أبدى العلوم و المعارف…أما الغافل فأنفاسه سفلية تخرج وعليها كسوة النفس ظاهرة…لذا ورد التحذير لأهل الغفلة أن يكونوا ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : رب كلمة يقولها العبد لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً

فإختر لنفسك طريقا : إما أن تكون إنسانا أدميا بحكم النفخة الروحية وذلك عندما تسري أحكام الروح على سائر جسدك، فتتبدل الأرض غير الأرض فتتحقق بكينونة المحبة المذكورة في الحديث القدسي : (…وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ) رواه البخاري…فحينئذ يستولي عليك نفس الرحمن…و إما أن تكون إنسانا حيوانيا بحكم تغليب الجسم الحيواني و إضعاف حكم الروح فيك وعندئذ ستجهل حقيقتك ولن تحصل على كنزك المدفون فيك…فالإنسان كتاب مدون وتاريخ مكتوب، وعمر هذا الكتاب هو عمر كل إنسان…يُدون فيه كل أعمالك وكل الحركات التي صدرت منك وكل الكلام الذي صدر منك يعني يدون أنفاسك المنبعثة من حرارة الروح…هذا النفس يخرج من نجم هوى في القلب ثم تنفس فصار بينه وبين اللسان فتق فتحرك اللسان فأظهر عجائب العلوم…فانظر ما طبيعة النجم المتنزل في قلبك هل هو نجم الصحابة ؟ أو نجم ناري سفلي من دركات إبليس…لأن هذا النفس هو حقيقتك 

ثم اعلم أنه على قدر شرف المكان الذي تخرج منه الأنفاس ،على قدر شرف مكان وصولها…فالفم جعله الحق نسخة يحاكي المنازل القمرية فجعل فيه 14 سنا علوية و 14 سنا سفلية فصار بذلك مثل مواقع النجم، فتحرك اللسان بين علو وسفل على شكل لام عشقي أو ألف فرداني على حسب قدرك…فإن كنت صامتا فأنت في سكون فإذا نظر إليك الحق نظرة باطنية تحرك لسانك فيخرج كلامك على حسب نظر الحق إليك

فإذا نظر إليك بحكم هاء الهوية تكلمت عن الفناء و أحكامه…و إذا نظر إليك بحكم لام العشق تكلمت عن مركزية المصطفى صلى الله عليه وسلم…فتختلف كلماتك على حسب الإسم الذي نظر إليك به الحق، وهذا خاص بأهل المعرفة أما العوام فكلامهم لا يتجاوز مرتبة النفس و لا يتعداها…فأهل المعرفة لهم حظ من سر (كنت لسانه الذي يتكلم به) فنطقهم من الحق بالحق إلى الحق…أما العوام فنطقهم من الحق و لكن من وراء حجاب النفس…فكلما نظر إليك الحق نظرة علوية أبديت من حرارة الروح حرارة متشكلة بحروف وكلمات تبقى باقية تُحكى عنك جيلا بعد جيل…لذلك بقيت قصائد أهل الله وعلومهم لأنها متصلة بالباقي…ولم يبقى كلامك الغافلين لأنه جمرة نارية من مس الشيطان

فأصلح نفسك و أصلح قلبك تُحظى بنفس رحماني، أما إذا ظننت أن قيمتك منوطة بجاهك ومالك و رئاستك وعلمك فأنت واهم وأنت فناء لا وجود لك…عليك أن تنسى الدنيا الفانية وتكون عبدا للباقي الأزلي و أنت سواء شئت أم أبيت علمت أم جهلت أنفاسك كلها ماهي إلا حركة محبة، لكن السر والمغزى في مدى قوتها وطاقتها وظهورها…لأن الممكنات كلها ظاهرة بسريان المحبة، فليس هناك إلا المحبة ظاهرة لكنك أعمى لا تبصر

وابحث عن حرارة الروح، وعن عشق الله سبحانه وتعالى، فإن تدوين الكلمات في صفحات القلوب يختلف من شخص لآخر، فهناك من يدونه بحروف نورانية وهناك من يدونه بحروف ظل نورانية…و أعلى و أرقى حروف نورانية هي حروف الإسم الجامع ( اللهْ ) لأن النطق به يصدر من الله إلى الله… وكلما كنت ذاكرا لإسمه الجامع فأنت تدون كتابك بحروف عاليات أما الإسم الجامع فلا تستطيع تدوين حقيقته ولا أسراره فيكف تدون بحرا لا بداية له و لا نهاية له

ولو كنت تعلم حقيقة النفس لعلمت أنه بتنفس أدم ظهرت البشرية…و أن نفسه جزء من النفس الكلية الجامعة التي أوتيت جوامع الكلم على صاحبها أزكى الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه وسلم…فأنفاسه عليه السلام لازالت تُظهر وتُظهر لأن كلماته تحمل سر ” كن ” ألم ترى كيف قضى على قوم بالنار فماتوا على الكفر، و شهد لقوم بالجنة فماتوا على الإيمان…ألم ترى كيف قال : ( كن أبا ذر ) فكان…فإن لم تدرك هذا قربت لك المعنى بمثال حسي تقره ولا تنكره، وذلك أنك تسمع من حين لآخر اكتشفات علمية لم تكتشف إلا في عصر التكنولوجيا و كان صلى الله عليه وسلم قد تحدث عنها منذ 14 قرنا…وذلك لأن كلماته ليست كالكلمات “وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى” الأية 3 و4 سورة النجم




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *