جديد الموقع

Search
||

وخَرَّ موسى صعقا

وخَرَّ موسى صعقا
في اصطلاح الطريقة الكركرية
الصعق هو أن تفنى عنك بك لك، فلا يزيغ بصرك عن سرك، ولا يطغى على حقيقة ذاتك
ولله در القائل
جَمْعُ العَوَالِمْ رُفِعَتْ عني       وَضَوءُ قَلْبِي قَدْ اسْتَفَاقْ
لَقَدْ تَجَلَّى مَا كَانَ مَخْبِي      وَالكَوْنُ كُله طَوِيتُ طَيّ
مِنِّي عَلَيَّ دَارَتْ كُؤُوسِي      مِنْ بَعْدِ مَوْتِي تَرَانِي حِيّ
قال تعالى :وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
“جاء موسى مجيء المشتاقين مجيء المهيَّمين، جاء موسى بلا موسى، جاء موسى ولم يَبْقَ من موسى شيءٌ لموسى
آلافُ الرجال قطعوا مسافاتٍ طويلة فلم يذكرهم أحد، وهذا موسى خطا خطواتٍ فإلى القيامة يقرأ الصبيان: ( وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى? ).”تفسير لطائف الإشارات / القشيري ج1 ص564
و لما  تم الميقات سكنت عنه أمواج أحاديث النفس و تَنَقَّت دوائر السمع من تَقَيُّدَاتِ حروف الحَدَثِ، خُلِعَت على الكليم خَلْعَة “كنت سمعه الذي يسمع به”  فلا يسمع كلام القدم إلا بسمع القدم
والكليم عليه السلام يَحِنُّ إلى قدسيات الوادي حيث أغرقه طوفان الأبد في بحر الأزل وجَرَّهُ مَسِيلُ القِدَمِ إلى واد طُوَى حيث خلع النعلين
فلما تم الميقات ودقت ساعة الفناء، سَطَت على موسى لذائذ وصال العشق و سمع حلاوة الخطاب فتلاشى من هَيْبَة الجلال وعرج بِسِرِّه إلى سدرة الأحباب من عِزَّةِ السَّمَاع و الجمال
فلما غلب علية السكر والوجد سأل الرؤية والسكران لا يعاتب ولا يلام، فَأَرْيَحِيَّةُ البَسْط تَهْتِك سِتْر الحَيَاء، وحُشَاشَةُ الخمر تُسْقِطُ رسوم الأدب
ولله در سيدي أبو مدين قدس الله سره إذ يقول
فإنا إذا طبنا وطـابت نفوسـنا        وخامـرنا خمـر  الغـرام تهتكنا
فلا تلم السكران في حال سكره        فقد رفع التكليف في سكـرنا عنا
فقال “أرني” فسأل خِلْعَةَ الرؤية لكن عِزَّة الجمع أَبَتْ سؤال الفرق فردت بالنفي في مقام التنزيه الطَّورِي وبالنفي في مقام التشبيه عندما سأل صحبة سيدنا الخضر
و جواب الحضرة الأزلية بلن عِلَّتُه كَيْنُونَة نُعُوتِ البَيْنِ وصفات الأَيْنِ فإن حقائق الوحدانية وعزة الألوهية تأبى ذلك
ولكن انظر إلى واسطة الجبل الأَيْنِيَّة فإن ثبت في أَيْنِهِ بعد التجلي فأنت كذلك تثبت فتجلى للجبل من ظل سَمِّ خِيَاطِ حكمة الربوبية إذ لو كشف قدر أنملة من الحجاب لأحرقت سبحاته كل الأين و في الحديث  عن أبي موسى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره.”سنن ابن ماجه  كِتَاب ابْنُ مَاجَهْ  أَبْوَابُ فِي فَضَائِلِ أَصَحَابِ رَسُولِ اللَّهِ.. بَاب فِيمَا أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّةُ رقم الحديث: 192
فلما تجلت الربوبية للجبل طار في سماء الجبروت واندك في نفسه وخر موسى صعقا لهيبة المقام
قال الششتري رضي الله عنه
الخلق خلقكم والأمر أمركم
     فأي شيء أنا لكنت من ظلل                               

ما للحجاب مكان في وجودكم
     إلا بسر حروف أنظر إلى الجبل                                 

أنتم دللتم عليكم منكم ولكم
     ديمومة عبرت عن غامض الأزل                               

عرفتم بكم هذا الخبير بكم
     أنتم هم يا حياة القلب يا أملي                             

فأدركته عناية الأزل المُتَنَزِّلَة في اجتباء الأبد فنفخت فيه من حقائق الذات فلما أفاق نَزَّه الحق عن معالم الحدوث، فقال (سبحانك) وتذكر تَهَتَّكَات السُّكْر عند الصحو، فقال (تبت إليك وأنا أول المؤمنين
قال سيدي ابن عجيبة قدس الله سره
“رؤية الحق جائزة واقعة عند الصوفية في الدارين، ولكن لا ينالها في هذه الدار إلا خواص الخواص، ويُعبّرون عنها بالشهود والعيان، ولا يكون ذلك إلا بعد الفناء، وفناء الفناء بعد موت النفس وقتلها، ثم الغيبة عن حسها ورسمها، تكون بعد التهذيب
والتدريب والتربية على يد شيخ كامل، لا يزال يسير به ويقطع به في المقامات، ويغيبه عن نفسه ورؤية وجوده، حتى يقول له: ها أنت وربك، وذلك أن الحق جل جلاله تجلى لعباده بأسرار المعاني خلف رداء الأواني، وهو حس الأكوان، فأسرار
المعاني لا يمكن ظهورها إلا بواسطة الأواني، أو تقول: أسرار الذات لا تظهر إلا في أنوار الصفات، فلو ظهرت أسرار الذات بلا واسطة لاضمحلت الأشياء واحترقت، كما في الحديث: ” حِجَابُهُ النُّورُ، لَو كشَفَهُ لأحرقَت سُبُحَاتُ وَجههِ ما انتَهَى إلَيه بَصَرُهُ من خلَقِهِ
فالمراد بالنور نور الصفات، وهو الأواني الحاملة للمعاني، لو كشف ذلك النور حتى تظهر أسرار الذات لأحرقت كل شيء أدركه بصره. والواسطة عند المحققين هي عين عين الموسوط، فلا يزال المريد يفنى عن عين الواسطة في شهود الموسوط حتى يغيب عن الواسطة بالكلية، أو تقول: لا يزال يغيب عن الأواني بشهود المعاني حتى تشرق شمس العرفان، فتغيب الأواني في ظهور المعاني، فيقع العيان على فقد الأعيان، ” كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ” ، ” ما حجبك عن الحق وجود موجود معه، إذ لا شيء معه، و إنما حجبك توهم موجود معه
و الحاصل: أن الحق تعالى تكون رؤيته أولاً بالبصيرة دون البصر، لأن البصيرة تدرك المعاني، والبصر يدرك الحسيات، فإذا انفتحت البصيرة استولى نورها على نور البصر، فلا يرى البصر حينئذٍ إلا ما تراه البصيرة.”تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة ج2 ص391/392




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *